إعجاز الله في خلق الإنسان

135

يختلف الإنسان عن باقي المخلوقات بالقدرة على التفكير والاستدلال العقلي المنطقي، بل وأكثر من ذلك هو وصف الفيلسوف “جون بول سارتر” له بـ “المشروع” القابل للتعالي وتجاوز وضعيات مختلفة، وقد نبني على هذا القول المعنى العميق لوجودنا في هذه الحياة وكيف أكرمنا الله بملكة العقل لكي نتفكر في كونه ونرى الإعجاز في دقة خلقه.

ذات يوم، لمحت عيناي مقولة جميلة: “نحن في الكون والكون فينا” كانت عنوانا لصورة عرفت انتشارا كبيرا في مواقع التواصل الاجتماعي والتي جعلتني أحس أكثر فأكثر بعظمة الخالق. كانت تحتوي على بضعة مناطق بالجسم تبدو وكأن الكون قام بنسخها فينا أو كأننا الأصل فيها، حيث تجد منظر العروق بارزاً كأنه رعد بصورة مصغرة، زد على ذلك جمالية بؤبؤ العين باختلاف ألوانه كأنه الكون الذي يحتوينا، وإن أمعنا النظر ولو للحظة ننبهر من التشابه الكبير بين تجاعيد الجسم ولحاء الشجر. هي أمور بسيطة لمن تطغى عليهم السطحية عكس من تنتظر منهم الصورة ذلك التأمل الإبداعي، فتبدأ الأسئلة، أكل هذا مجرد صدفة؟ أم أنها رسالة مخفية؟

من الأمور البديهية أن الكون أكبر مما نتخيل، من المجرات إلى الخلايا المجهرية للكائنات الحية وكل جزء من هذا المجال يستحق التأمل، ونحن البشر أكثر الكائنات المعنية بذلك. دعنا ننسى أمر الكون وشساعته، ولننظر إلى تركيبتنا الجسدية والنفسية فقط، حسب قوله سبحانه وتعالى: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21]. من خلال هذه الآية الكريمة نرى رسالة الله لعباده والحث على التفكر العميق لنرى إعجازه في خلقنا. هنا تظهر مصداقية القرآن الكريم، كلام الله والدليل الحق على مر العصور، الذي كان ولا زال للعلم مرجعاً، وهو الكتاب الذي وصف دقة نشأتنا.

إذا نظرنا للتركيبة الجسدية، نجد أن كل شيء بدأ من نطفة إلى جسم يرتكز على عدة أجهزة تعمل وفق نظام دقيق ومحدد وبشكل متكامل. وتتمثل هذه الأجهزة في الجلد (الجهاز اللحافي)، الهيكل العظمي والعضلي، الغدد الصماء، القلب والأوعية الدموية (جهاز الدوران)، الجهاز المناعي، الجهاز التنفسي، الجهاز الهضمي، الجهاز البولي والتناسلي وأخيراً الجهاز العصبي. ومن العجيب أن كل جهاز يؤدي دوره على حدة ودون إلحاق ضرر بجهاز آخر، بوجود جسيمات صغيرة تعمل بنظام كالجنود لتحقق هذا التوازن الداخلي.

ولا يوجد وصف لتركيبتنا النفسية أحسن من وصف المفكر والعالم “سيغموند فرويد” الذي أكد أن الجهاز النفسي للإنسان يرتكز على، “الهو”؛ موطن الغرائز، الشهوات، الليبيدو والقلق. “الأنا الأعلى” الذي يتضمن مجموع القيم والمثل الأخلاقية فيلعب بذلك دور المراقب المعاقب. وأخيراً “الأنا” المسؤول عن التوفيق بين رغبات (الهو) ومثل (الأنا الأعلى)، ويبقى اللاشعور المحدد الأبرز لاختياراتنا وإرادتنا.

كل هذه الترابطات ما هي إلا جزء من عظمة الخلق فقط، تخيل معي أن كل كائن يرتكز على نظام عيش مختلف، وسط كوكب يرتكز على نظام مختلف عن باقي الكواكب، وسط مجرة تختلف عن باقي المجرات، وسط كون لا محدود، تخيل فقط! لهذا بدل البحث تائها عن خلل في خلق مبدع كامل، لأنه أمر حتمي، كن ذكيا وابحث عن سر هذا وجود. لم نخلق للمرح في هذه الحياة فقط، بل خلقنا لعيش أسطورتنا الشخصية، لأننا مختلفين وبذواتنا متفردين. جعل الله كل هذه التفاصيل لكي ننتبه ونفهم اللغز، لأن الإيمان يكون أفضل بالعلم. قد يتطلب منا الأمر سنوات وسنوات، لكن الحياة يزداد جمالها بهكذا تحديات. فسبحان من خلق هذا الكون بمن فيه، له الحمد وله الشكر على كل هذه النعم.

1xbet casino siteleri bahis siteleri