أسئلة بلا جواب!

تحاصرنا الأسئلة من كل جهة وتتقاذفنا الحيرة من أرض إلى أخرى، فنجد أنفسنا في تيه تام وعجز مطلق وانحصار في زاوية ضيقة، أسئلة عن أشياء فوق نطاق عمل عقولنا، ملغمة بالأسرار والخفايا التي قد يكون معظمها محرما على الإنسان كشفها والاطلاع عليها، ورغم ذلك يأتينا الشفاء من كتاب الله عبر ما فيه من مثل، فيأخذ منه اللبيب ما يشفي غليل فكره، ويفك من خلاله من الألغاز ما يفضي إلى بعث السكينة في نفسه والطمأنينة في قلبه.

غير بعيد عنا قصة الخضر عليه السلام مع نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام، ومن خلال أحداثها الثلاثة الكبرى -ولا أظنها بتقديري الوحيدة- نستطيع فهم الكثير. فها هو الخضر عليه السلام يدخل سفينة برفقة نبي الله ويتجول في أقبيتها وقد وُضع كل شيء في مكانه حيث تركه الصيادون المساكين، وهم يتأملون من الله الخير والبركة مما تجلب لهم سفينتهم من رزق طيب حلال في عباب البحر. وإذا بالخضر عليه السلام، وبدون مقدمات، يقوم بخرقها ثم ينصرف، ويبقى نبي الله لحظات في دهشة مطلقة وحيرة ثم يتبعه فيقول له: {أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} [الكهف: 71] فيذكره الخضر عليه السلام بالوعد الذي قطعه معه في البداية، فيتذكر موسى ويرجع إلى صوابه، ثم يعتذر قائلا: {لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا} [الكهف: 73].

فينطلقا بعد ذلك في طريقهما، وبعد مدة يقابلا طفلا صغيرا وديعا يلعب ألعابه مغمورا في عالمه الصغير البريء، فإذا بالخضر عليه السلام يأخذه فيقتله على مرأى ومسمع من موسى عليه السلام، يجن جنون موسى ولا يكاد يصدق ما رأته عيناه وينفعل قائلا: [أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا] [الكهف: 74] فيذكره الخضر عليه السلام مرة أخرى بالوعد الذي قطعه معه فيتذكر موسى ويرجع إلى نفسه ويطلب منه فرصة أخيرة، ويمضيا في طريقهما تقودهما تصاريف القدرة الإلهية وتكلؤهما أنوار العناية الربانية، حتى يجدا نفسيهما عند مدخل قرية من القرى وقد بلغ بهما الجوع والتعب مبلغا كبيرا، استطعما أهلها وطلبا منهم أن يضيفوهما، ومن بخل هؤلاء القوم وضعف وازع الخير في نفوسهم أبوا أن يضيفوهما ويكرموا وفادتهما، فاضطرا إلى المبيت في العراء بلا خبز ولا غطاء، وإذا بهما يجدا جدارا يكاد أن ينقض ويتساوى مع التراب. بدون تردد شمر الخضر عليه السلام عن ساعديه وطفق يقيم ذلك الجدار حتى جعله قويا صامدا راسخا، وبسجيته الفطرية استنكر موسى عليه السلام هذا العمل ورأى أنه كان أولى به أن يأخذ أجرا على عمله من قوم لا يرحمون ولا يكرمون الضيف، لا سيما وهما في أمس الحاجة إلى الضيافة.

عند هذه اللحظة يفصح الخضر عليه السلام لنبي الله موسى عليه السلام أن هذا هو الفراق ولن تستمر صحبتهما منذ تلك اللحظة، ولكن، رغم هذا الخبر الذي لم يسعد موسى بالتأكيد، يأتيه خبر آخر سعيد؛ الآن سيفهم ما استشكل عليه من فهوم وسيتخلص من تلك الحيرة التي وجد نفسه أسيرا لها، الآن يخبره الخضر عليه السلام بإذن من الله تعالى أن تلك السفينة كانت ملكا لمساكين يعملون في البحر، وكانت لهم ولعيالهم مورد رزق ومعاش، إلا أنه كان وراءهم ملك ظالم يأخذ كل سفينه غصبا، فحتى لا تضيع منهم السفينة خرقها بشكل محكم يظهر في الظاهر انها سفينة لا تصلح و ليس هناك وقت لإصلاحها، مما سيتيح للمساكين بعد التخلص من بلاء هذا الملك الطاغي أن يصلحوا سفينهم ويسترجعونها. ففهم موسى الخير العظيم الذي كان مخفيا في حجب الشر الظاهري الذي لم يستطع رؤية غيره حينها.

وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين، وقد جاء الخضر عليه السلام من حجب الغيب علم يفيد بأن هذا الغلام سيكون كافرا طاغيا يرهق والديه ويعذبهما، فما كان من الخضر إلا أن قتل الغلام رحمة بالوالدين المؤمنين وهو يريد أن يبدلهما الله خيرا منه زكاة وأقرب رحما. ففهم موسى أن ما فعله الخضر عليه السلام كان عملا ظاهره شر وباطنه خير فاستراحت نفسه.

وأما الجدار فقد كان لغلامين يتيمين في المدينة ليس لهما إلا الله، وكان أبوهما رجلا صالحا تقيا من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وقد أراد الله أن يحفظ لهما كنزهما تحت الجدار حتى يبلغا أشدهما ويستخرجاه رحمة بهما وإكراما لأبيهما، ففهم موسى عليه السلام ما كان مخفيا عنه وازدادت نفسه اطمئنانا وسكينة.

من هذه القصة العظيمة العجيبة التي جعل الله لنا منها مثلا وعبرا نستطيع استخلاص الدروس، الكثير من الدروس، بيد أني سأذكر درسا واحدا مما تبدى لي من هذه القصة من القصص، وهو منهجية التعامل مع الأسئلة التي لا نجد لها جوابا، والتي قد تكون سبب وقوع العديد من الناس في مزالق تخرجهم عن طريق الهداية وتتركهم فريسة لإبليس وجنوده. وحتى أكون واضحا فإني أقصد نوع الأسئلة التي تبحث عن السبب وراء كل شر يعم في الأرض أو أي وضع لا يتسق مع مقتضيات الرحمة الإلهية وفق فهومنا القاصرة، فمن خلال هذه القصة نفهم أن في طيات كل شر يوجد خير وأسرار وخفايا لا يعلمها إلا الله، ومن شاء من عباده، وما أن تعرف هذه الخفايا حتى تعود السكينة إلى النفس والهدوء إلى الفؤاد. ولكن، وجب ألا نجعل من معرفة الخفايا شرطا للاطمئنان، بل الثقة بالله وعدله ورحمته، وإسلام الوجه له دون بحث عما لا يجوز البحث فيه، والتيقن أن الله غالب على أمره وهو القاهر فوق عباده وهو الرحمن الرحيم.

1xbet casino siteleri bahis siteleri