ما الذي يخسره المجتمع عندما تلتهم المهن أصحابها؟ -الطب نموذجا-

لطالما سُئلتُ على سبيل الاستغراب: كيف تجمع بين أكثر من اهتمام؟ وتوفق بين أكثر من نشاط؟ وهو سؤال يستبطن من ورائه مسلّمةً مفادها أنه لا ينبغي لنا أن نتجاوز “الإطار” الذي حُدد لنا لكي ننشط فيه. فإذا كنتَ طبيباً لزِمك ضرورةً أن لا تخرج عن مجال الطب للحديث في أية قضية أخرى لا علاقةَ مباشرةً لها بتخصصك. وقد تحوّل هذا “الوهمُ” إلى “حقائق” مستقرة في أذهان الكثيرين. فصاروا يُسرعون إلى الإنكار عليك، كلما لاحظوا أنك قد ابتعدتَ قليلا أو كثيرا عن مجال تخصصك ومهنتك، بدعوى أن الطبيب ينبغي أن يلتزم الحياد التام في قضايا الرأي العام الخلافية، حفاظاً على الثقة العامة في رأيه الطبي. وهذا التصور لمهنة الطب تصورٌ تمَّ تجاوزه منذ عقود، إلا أنه في مجتمعنا ما زال يحتفظ براهنيته، وربما هناك من يدافعون في اتجاه الحفاظ عليه قائما، لأن لهم في بقائه فائدة تعود عليهم.

وانطلاقا من ذلك، قد يصعب على بعض الناس أن يفهموا كيف يجمع شخص معين بين أن يكون طبيبا جراحا، له عيادته الخاصة، ثم يشتغل مع مجموعة من المصحات، وهو فاعل جمعوي، ومدون، وكاتب، ورحّالة يهتم بتوثيق ونقل المضامين الثقافية لبلدان رحلته، بالإضافة إلى مشاركته المستمرة في النقاشات حول القضايا التي تكون محلَّ نقاش عمومي، فضلا عن إسهامه في تأسيس مجموعة من المنصات الرقمية التي تحتفي بالكتابة والتعبير، أو بالتوعية والتثقيف في المجال الصحي.
وهذا كله يدفعني لأن أتناول في هذا المقال هذه الفكرة، وأناقش الدور الذي ينبغي أن يقوم به الطبيب في المجتمع والالتزامات الأدبية التي تُلقى عليه.

وفي البداية، لا بد أن أؤكد على فكرة أساسية، وهي أن فكرة التخصص الدقيق في ذاتها هي فكرة حديثة، وُلدَتْ مع الدولة الحديثة، ومع فكرة تقسيم العمل الاجتماعي بشكل صارم ومبالغ فيه، وهي الفكرة التي تم تضمينها في القانون الإداري، حتى صار مجرد إجراء شكلي عادي، لا يحتاج أي جهد فكري، إذا قام به غير المكلَّف به أمكن إبطاله بعلة صدوره من غير مختص أو من جهة غير مختصة.

ورغم أنه لا يمكن إنكار أن التخصص يؤدي إلى الدقة والجودة في الخدمات والمهن وفي الحياة عموما، إلا أنه ليس هو الأصل، وليس هو المعتاد الذي صارت عليه البشرية لآلاف السنين. فقد كان المرء في العصور التاريخية القديمة يقوم بكل شيء لنفسه، يخرج للصيد، ويقوم بطهي طعامه، يرعى ويزرع ويحصد، ويقوم بجلب المياه من الأنهار والضواحي، وغيرها من المهام الأساسية في حياته. ومن هنا لا أجد أية صعوبة في استيعاب أن يكون الإنسان متعدد الاهتمامات والتخصصات، وأن يوزع وقته على تلك الاهتمامات بأكبر قدر من المرونة الممكنة. لا سيما وأن بعض الدراسات اليوم تذهب إلى أن الناس الذين لهم تخصصات عامة أكثر قابلية للتطور، من الذين لهم تخصصات دقيقة، ويقضون كل وقتهم في شيء محدود للغاية.

بل إنه من مشاكل منظومتنا الصحية في المغرب أن الناس ضخّموا من أهمية الطبيب المتخصص على حساب الطبيب العام، فأهملوا الطب العام، وما يسمى بطبيب العائلة، فأصبحوا يتوجهون رأسا إلى الطبيب المختص أو الأخصائي، مع أن الأصل أن يمروا أولا عبر الطبيب العام، وهو الذي ينبغي أن يوجههم إلى الطبيب الاختصاصي إذا رأى ضرورة لذلك. علما بأن الطبيب العام أكثر قدرة على تشخيص المرض، وتوجيهِ المريض نحو الطبيب المتخصص الذي يحتاج التوجهَ إليه، من الطبيب المتخصص نفسه، وذلك بحكم تعامله مع كثرة الأمراض، فتفكيره أوسع نطاقا، وأكثر مرونة، وأبعدَ أفقا، بخلاف تفكير المتخصص الذي ينحصر غالبا في قائمة الأمراض التي يتخصص في علاجها، ويصعب أن يحيط علماً بغيرها.

طبيعي أن الطبيب العام يحتاج إلى أن يتابع باستمرار التطورات التي تحدث في ميدان الطب، وأن يشارك في المؤتمرات ليعرف جديد العلم، وأن يحافظ على تكوينه المستمر ليكون على بينة بكل جديد يحدث في ميدان الطب، وهذا ما لا يحدث غالبا، ومن أسف شديد، وهو ما يجعل الثقة في الطبيب العام تنزل إلى أدنى مستوياتها في بلادنا. طبعا، هذا الأمر ليس خاصا بالطب العام، وإنما الأخصائيون هم أيضا بحاجة إلى تحيين معارفهم باستمرار.

وفي كل الأحوال، فإنه قد صارت هناك ملاحظات عامة، لا يمكن تجاهلها بأن الناس الذين يميلون إلى التوسع في أكثر من تخصص أكثر قدرة على الإبداع من الذين يتخصصون في شيء محدد ودقيق، لملازمة التخصص لضيق الأفق، وتركيز الجهد في شيء واحد، في حين أن التوسع في تخصصات مختلفة يميل بالإنسان إلى توسيع أفق إدراكه، وبالتالي توفره على رؤية أوسع، وقدرة أكبر على الإتيان بشيء غير سابق.

كما أن التجارب العملية قدمت لنا نماذج كثيرة لأشخاص استطاعوا أن يكونوا ملهمين في أكثر من مجال، وأستحضر هنا مايكل جوردن أسطورة السلة الأمريكية، الذي تحول إلى لعبة البيسبول بعد تقاعده من كرة السلة، كما أنه حاول في وقت معين أن يلعب التنس، والآن هو مقاول ورجل أعمال كبير. فإذن هو لم يتوقف عند كونه أسطورة في كرة السلة، بل فهم أن العمر مراحل، كل مرحلة تقتضي أن نستثمرها بالطريقة التي تليق بها. ولكن يبدو أننا لم نصل بعد إلى هذا المستوى من الوعي ومن المرونة في التفكير، وما زلنا نصر على أن نحصر الناس في حالات بعينها، وفي تصنيفات ضيقة.

ولأعود إلى حيث بدأتُ، فقد طُرح عليّ في أكثر من مرة سؤال من قبيل: كيف توفق بين أكثر من اهتمام ونشاط؟ خاصةً أن هناك قناعةً مفادها أن الطبيب إذا استطاع أن يوفق بين حياته الأسرية وبين عمله في المصحة أو المستشفى فذلك غاية الغايات، وهو مطلب متعذر في الكثير من الأحيان، كما يزعمون.

ومن الصدق أن أعترف بأن التوفيق بين أكثر من اهتمام هو مهارة ليست باليسيرة، وليس يؤتاها كلُّ الناس. وأن من المريح أن يتخصص المرء في شيء ويستريح إليه، ويُعرض عن غيره. لكن في هذه الحالة، لن يكون له أي دور في محيطه، ولا أي أثر في حياة غيره. بل سيحصر نفسه في دائرة ضيقة، وهو عمله وتخصصه الوحيد والموحد، الذي يغدو أسيرا له. لكن الإنسان المكرم، خليفة الله في الأرض، مهيأ لأن يكون أكثر من مجرد “موظف” أو “مهني”، يقوم بعلمه بشكل آلي، ثم يعود إلى بيته في آخر اليوم.

إن الطبيب مسؤول مسؤولية حضارية ووطنية ومجتمعية، وعليه أن يبذل غاية وسعه في أن يكون له دور أكبر في تحسين مستوى حياة ووعي الناس من حوله. ولا يمكنه بحال أن يقوم بذلك، وكلُّ ما يَفعله هو أنه يستيقظ صباحاً ويتوجه إلى عيادته، فيفحص الناس ويصف لهم العلاج، ثم يقفل إلى بيته، ليعود إلى فعل الشيء ذاته في اليوم الموالي، وهكذا إلى أن يتقاعد ثم يموت، كما يموت كل الناس.

 

نعم، هناك صعوبات جمّة عندما يتشتت جهدك في أكثر من مجال، وعندما تُصبح في سباق مع الوقت، وتغدو الغاية أن تنتهي من شيء معين فقط لكي تشرع في شيء آخر، ثم تَتحمل بذلك الضغط الذي يهاجمك كلما قرُب انتهاء الآجال التي ينبغي عليك احترامها. لكن بتنظيم الوقت وترشيد الطاقة، قد يتغلب المرء على كل هذه الصعوبات. والحياة كما نعلم، محكومة بقواعد ومبادئ، من شأن وعينا بها أن يسهم في ضبط سير حياتنا، ومن ذلك ما بينه فيلريدو باريتو، فيما يسمى بمبدأ باريتو، وهو أن عشرين في المائة من الأفعال أو الانشطة مسؤول عن ثمانين في المائة من النتائج. فتنظيم وقتك بنسبة عشرين في المائة قد يكون مسؤولا عن ثمانين في المائة مما تقوم به في حياتك.

طبعا، ليس معنى ما قلتُه أنْ يتحدث المرء في كل شيء، ويخوض في كل شيء، دون أن يتقن أي شيء. بل لا بد أن يكون له تخصص يتقنه ويبرز فيه، ولكن دون أن يسجن نفسه فيه، ويجعل حياته وقفا عليه. ثم الأمر بعد ذلك يختلف بحسب هدف كل شخص بعينه، وهو الذي يحدد ما إذا كان اهتمامك بأكثر من شيء أمرا إيجابيا أم سلبيا. ولا شك أن غايات الناس وأهدافهم تختلف وتتنوع، كما أن استعداداتهم النفسية والعقلية والجسدية تختلف وتتنوع أيضا. والمرء بشيء من الصدق مع ذاته، يستطيع أن يقرر ما يصلح وما لا يصلح له.

هذا من حيث الشق الأول من الموضوع، وهو المتعلق بتوسيع الطبيب وتكثيره لاهتماماته وأنشطته، أما الشق الثاني المتعلق بالدور الذي ينبغي أن يلعبه الطبيب في المجتمع فهو الذي سيأتي الحديث عنه في بقية هذا المقال.

إن أول التزامات الطبيب في تقديري هو أن يكون أمينا صادقاً، بأن لا يقدم صورة مزيفة عن الواقع. ولذلك حين تتاح له فرصة توجيه الشباب ينبغي أن يكون صادقا في نصحه وتوجيهه، وأن لا يمنعه من ذلك خوف أو مهابة أحد. وهو ما قد يقتضي منه أحيانا أن يوجه بعض الطلبة الشغوفين بالبحث العلمي في مجال الطب، ويأملون أن تكون لهم اكتشافات واختراعات في المستقبل أن يتوجهوا إلى دراسة الطب في دول أكثر تقدما، وتوفر ظروفا أفضل للدراسة والبحث في المجال الطبي.

أما ما يتعلق بالأمور العملية، فالمغرب بلد ما زال “بكرا”، بحيث إن هناك الكثير من المجالات التي لم تُطرق، وتبقى فرص النجاح فيه كبيرة بالمقارنة مع الهجرة إلى بلدان أخرى، التي تم استنفاذ كل شيء فيها، بحيث إن أي مشروع تريد أن تبدأه ستجد أنه قد سبقك إليه غيرك. ولذلك يُنصَح الشبابُ المبدعون الذين يتمتعون بروح المقاولة والمغامرة في مجال الأعمال تحصيل الوعي بهذا الأمر، فلديهم فرص كبيرة للنجاح في المغرب إن هم صدقوا وصبروا وتعلموا، واكتسبوا عادة التعلم من الأخطاء، واحتفظوا برغبتهم في التحسن والتعلم المستمرَيْن. صحيح أن المناخ العام قد لا يساعد كثيرا بسبب الانتشار الكبير لثقافة انتظار فشل الآخرين، وعدم التشجيع والسلبية المفرطة والإحباط، والتكتم على المعارف والمعلومات مخافةَ أن يستفيد منها الآخرون. وربما تبعيتنا الفكرية والثقافية والاقتصادية لفرنسا أثرت فينا سلبا، وأخذنا منهم أسوأ ما فيهم، ولم يعد للمهارة عندنا أهمية كبيرة، وصارت الشهادة أو الديبلوم أهم من المهارة نفسها. لكن الرؤية السديدة والرغبة الشديدة كفيلتان بتجاوز كل هذه المثبطات.

ومن أهم التزامات الطبيب مع المجتمع أيضا، أن يقوم بوظيفته على أكمل وجه، وأن لا يتذرع بالظروف في التملص من مسؤوليته، سواء كان يعمل في القطاع العام أو الخاص. وهذا يقتضي منه أن يناضل في الكثير من الأحيان لتغيير واقعٍ غير مُرضٍ، مع علمه بأن ذلك سيفتح عليه بابا من المشاكل مع الإدارة ومع الهيئات ومع زملائه أيضا. لكن لا بد مما لا بد منه، فإذا رضي الجميع بالأوضاع القائمة رغم سوئها، وكونها غير مقبولة، فإن ذلك يقتضي بالضرورة أن نظل نراوح أماكننا، إن لم نزدد سوءا مع مرور الوقت. ولذلكم لا بد من النضال من أجل التغيير، من أجل أن تصبح ممارسة المهنة في ظروف أفضل، وأن تكون أكثر إنسانية وأكثر جاذبية أيضا للعنصر البشري.

ومن أسف، الكثير من المعطيات تؤكد أن معظم من يشتغلون في القطاع العام خاصة يقومون بذلك مكرهين، لارتباطهم بالوزارة بمقتضى عقد لا يمكنهم التخلص منه، والمؤسف أكثر أن أساتذة الطب أنفسهم تجدهم غير راضين على مكانتهم في وزارة الصحة. وهذا يجعل مكان العمل مسموما ومكهربا، ويغدو أشبه بسجن، يقومون فيه بأشغال لا يحبون القيام بها، ويضطرون إلى القبول بالأمر الواقع مخافةَ الاصطدام مع الهيئات المهنية ومع الإدارات، ومخافة أن تهدد وظيفتهم أو مهنتهم، وهذا كله يؤثر على جودة المنظومة الصحية ببلادنا.

ومن التزامات الطبيب تجاه المجتمع أيضا الانخراط مع المجتمع المدني في العمل التطوعي والجمعوي والتحسيسي، وأن يكون نموذجا ومثالا لغيره في هذا المجال. وهذا الميل إلى العمل التطوعي ينبغي أن يكتسبه المرء في مرحلة الدراسة الجامعية، وربما في وقت سابق على مرحلة الجامعة. أذكر أنني لما كنتُ طالبا في كلية الطب، كنتُ ـ مع مجموعة من الزملاء ـ منخرطا في الكثير من الجمعيات. وثبت عندي بالتجربة أن المرء حين ينخرط في مشروع تطوعي ويحقق ذلك المشروع غاية إنسانية معينة، سيصعب عليه بعد ذلك الاستقلال أو التخلي عن العمل الجمعوي والتطوعي، بحيث يُصبح وكأن قد حُقن بحقنة هذا العمل، فلا يمكنه بعد ذلك التخلي عنه.

بالإضافة إلى ما سبق، ينبغي أن يكون الطبيب جنديا في معركة التأسيس لوعي مجتمعي راشد، يقوم على الصدق مع الذات، والتربية على الاختيار، والعمل على التأسيس لنماذج شخصيات ملهمة؛ لأن مجتمعنا يحتاج إلى قدوات. ومن شروط الشخصية الملهمة أن يكون الشخص ناجحا مهنيا، ومثقفا وواعيا ومحيطا بمشاكل مجتمعه. وهذا لن يُحصّله الطبيب بدراسة الطب وحده، ولن يُنجزه بالذهاب إلى العمل وحده. ومن هنا أهمية التكوين الذاتي المتنوع، والانخراط الفعال في المجتمع، ومحاربة الأفكار النمطية التي ترسخت فيما يخص الاختيارات المهنية والدراسية. ينبغي أن نتجاوز مرحلة “ابن الخالة القدوة”، إلى التأسيس لقدوات حقيقية ملهمة ومبدعة وتُربّي الناشئة على الاختيار والمسؤولية عن اتخاذ القرارات الشخصية.

نعم، لا يمكن للطبيب أن يكون قدوة لغيره، وهو لا يعرف شيئا سوى الطب. ولا يمكنه أن يكون قدوة وهو لا يكاد يكون له وجود في المجتمع. ولا يمكنه أن يكون قدوة وهو في قرارة نفسه مشتت الذهن والبال، ولا يستطيع أن يقرر في أموره الشخصية. ويصعب على الطبيب أن يكون قدوة وهو يحرص على الاستفادة من التزامه في القطاع العام واختلاس بعض الفرص في القطاع الخاص، أو ترْك طلبته بدون دراسة في الكلية، والتسلل إلى المصحات الخاصة. كما لا يمكن لهذا الوطن أن يتغير إلى الأحسن، وهو يسير بسرعتين متناقضتين.

وعلاوة على ذلك، فالطبيب ينبغي أن يكون واعيا أن ممارسة الطب ليست مجرد ممارسة مهنة عادية، وأن دوره لا ينتهي بانتهاء العمل الطبي فقط، لأنه حين يؤسس عيادته الخاصة فهو يؤسس شركة تحتاج إلى الإدارة الجيدة، خاصة أنه سيتعامل مع المرضى، والذين ينبغي إيلاء عناية خاصة بهم، نظرا لظروفهم. ويجب أن يكتسب ثقة الزبناء، وأن يكون في غاية الكفاءة، وأن يكون متاحا دوما، ومستمعا جيدا. وهذا يعني أن الطبيب يحتاج إلى تعلم المبادئ الأساسية في التدبير والتسويق والإدارة، ولا يمكنه بحال أن ينجح وهو يجهل هذه المداخيل جهلا تاما.

نعم، مشكلات القطاع الصحي تتجاوز الطبيب في الكثير من الأحيان. لكن يبقى الطبيب هو الأصل الذي عليه يتأسس غيره، فإذا صح الأصل أمكن إصلاح الفرع، لكن إذا لم ينصلح الأصل فستتعذر استقامة الفروع والهوامش. نعم، صحيح أن المنظومة الصحية ومشاكلها هي استمرار لمشكلة التعليم والتكوين. إذ رغم التطور الذي حدث في أغلب المجالات والقطاعات، إلا أن مجال التعليم بكل مراحله يلاحظ أنه لم يطرأ عليه تغيير جدير بالاعتبار. حيث ما زالت الظروف والمضامين والكيفيات نفسها في التدريس، التي كانت قبل عقود هي نفسها اليوم ما زالت قائمة، كما أن الطب رغم التطور الذي يعرفه الجانب التقني والبحثي فيه، إلا أن عملية الانتقال المعرفي من جيل إلى آخر يعرف عسرا وتباطؤا ملحوظَين، بل إن بعض الأطباء الأستاذة اليوم قد يعتبرون الطالب منافسا حقيقيا لهم، وليس طالبا يتتلمذ عليهم. وهذا من أكبر الآفات.

وهذا الوضع لا يمكن السكوت عنه بدعوى ضرورة أن يكون الطبيب محايدا، وأن يعمل وَفقا للمتاح والممكن، حفاظا على الثقة العامة في المهنة، بل لا بد أن نكشف عن هذا الواقع، ونرصد الاختلالات فيه، وأن نصر ونؤكد على أن هناك حاجة ملحة إلى التغيير الجذري في هذا القطاع. وأهل الدار أدرى بما فيها. والتغيير لا يأتي ولا يُفرض من الخارج، بل يحتاج إلى إرادة ذاتية تنبع من ذوات القائمين والعاملين في القطاع والمشاركين فيه. وقد رأينا رأي العين ضرورة التدخل العاجل لإصلاح هذا القطاع مع قدوم أزمة الكوفيد.

وختاما، يمكنني القول بأن الطبيب، رغم وضعه الاعتباري الخاص، إلا أنه ـ بعد التمكن من مهنته ـ ينبغي أن يعلم يقيناً أن أدواره التي ينبغي أن يقوم بها أكبر بكثير من مجرد القيام بفحوص أو عمليات روتينية للمرضى، مع أهمية هذه الأخيرة وضرورتها. فالطب فنٌّ قبل أن يكون مهنةً، والفن رساليّ بطبيعته. فلا بد أن يعرف الطبيب أهدافه والغايات التي يكدح من أجلها، وإلا صار مجرد تقنيّ لا تأثير ملموس له في محيطه ومجتمعه. وأما الحياد الذي يُطلب من الأطباء الالتزام به، بشكل صريح أحياناً أو بشكل ضمني في أحايين أخرى، فما هو إلا خدعة أو مغالطة لا تقوم على أساس صحيح.

وعلى الطبيب أن لا يتوقف عن تعميق تكوين شخصيته، ليكون له مستوى من الاطلاع في الفنون الضرورية كالفلسفة وعلم النفس والاجتماع والأدب، بالإضافة إلى القانون والسياسة والاقتصاد، يسمح له بالإدراك السليم لما يجري من حوله، ويؤهله لتكوين رأيه الخاص ورؤيته الشخصية للأمور، تتسم بالقدر اللازم من العمق الذي يجعلها محل اعتبار وتقدير واحترام.

1xbet casino siteleri bahis siteleri