التاريخ يعيد نفسه

لا يمكن المكابرة في أن الاستمرار في المتابعة اليومية لما ينزل بإخواننا في قطاع غزة من عدوان وتقتيل وتهجير قسري وإبادة جماعية، وتقويض لمساكنهم وكل البنية التحتية للقطاع، بما في ذلك المدارس والمستشفيات والمساجد والكنائس، هو أمر مرهق نفسيا. وأن الكثير من الناس اليوم، وبعد مرور ما يقرب من ثلاثة أشهر من بداية العدوان، مع تضامنهم وتألمهم لجراح إخوانهم، أصبحوا غير قادرين على متابعة الأخبار، ويحاولون تفاديها ما أمكنهم ذلك. وإذا كان الأمر على هذه الحال بالنسبة لمن يتابع من بعيد فقط، فكيفَ بمن يعيش ويلات الحرب يوميا، ينام ويستيقظ على ضجيج القنابل، وفي كل صباح يقول في قرارة نفسه: لعلني لا أنجو اليوم؟

إنه لا شك أن الألم كبير، وأن المعاناة قاسية، وأن الأمر بلغ مداه، وضعُفت القدرة على التحمل. وهل الضعف شيء غريب عن طبيعة الإنسان، من حيث هو إنسان؟ يزداد هذا الألم شدة بتذكر أن العدوان لا يرده إلا القوة ومواجهة السلاح بالسلاح. وأن المقاومة وحدها هي التي من شأنها أن ترفع القهر والعدوان، وأن تُعيد الحق لأهله. أما اللقاءات الديبلوماسية ومحاولات إيجاد الحلول السياسية ما هي إلا إلهاء سياسي، وإطالة لأمد الاستعمار، وأن استكبار الكيان الإسرائيلي لا تردعه إلا المقاومة الشرسة.

ولا أدلَّ على هذا من خدعة أوسلو لسنة 1992، وأعني المعاهدة التي تؤسس للاتفاق بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية لوضع حد للنزاع بطريقة ديبلوماسية وسياسية. والحق أن هذا الاتفاق يَضع قارئه في حيرة، ويتساءل كيف تم القبول بمثل هذا الاتفاق؟ وليس من المبالغة وصفه بأنه مهزلة. وكيف لا يكون كذلك وهو يجعل إسرائيل تعترف فقط بمنظمة التحرير الفلسطينية، ولا تعترف بفلسطين كدولة مستقلة ذات سيادة، في حين أنه في المقابل يجعل منظمة التحرير تعترف بإسرائيل كدولة مستقلة وذات مشروعية. وينص الاتفاق من على أنه يجب إرساء حل الدولتين في غضون خمس سنوات. والاتفاقية في مجملها. وبإمعان النظر في مختلف بنودها، نجدها تؤسس لدولة فلسطينية هي أشبه بدولة البانتوستان في جنوب أفريقيا؛ دولة تفتقد لكل مقومات الدولة الحقيقية: دولة منزوعة السلاح، متحكم في حدودها وفي جوها وبحرها.

وإذا قرأنا مجمل أحداث التاريخ سنكتشف أن النزاعات من هذا النوع لم يسبق أن كانت الحلول السياسية سببا في إنهائها؛ بل إن الغرب نفسه الذي يحاول الترويج لفكرة الحل السياسي للقضية طوال تاريخه لم يؤمن إلا بمفهوم القوة باعتبارها الوسيلة، الأساس الوحيد لدفع العدوان، ويمكن التذكير في هذا السياق بثلاثة أحداث كبرى في التاريخ الغربي المعاصر.

أولها، هي الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية على الشعب الفيتنامي. وهذه الحرب من أكثر الحروب شبها بالعدوان على غزة. وهي تمثل قصة صمود شعب ومقاومته من أجل التحرر من الاستكبار الأمريكي.
فقد كانت الفيتنام مقسمة إلى الفيتنام الجنوبية والفيتنام الشمالية، وحين تحولت الصين في سنة 1949 إلى جمهورية شعبية شيوعية، تأثر بها الشمال الفيتنامي. وقد أثار ذلك تخوف الولايات المتحدة الأمريكية، وتوجست من أن يتحول جنوب الفيتنام بدوره إلى الشيوعية. وحفاظا على مصالحها في المنطقة، قررت أن تهاجم الفيتنام بترسانة عسكرية كبيرة، لا تُبقي ولا تذر، لكنها فوجئت بمقاومة وصمود مذهلين من المقاومة الفيتنامية. وهو ما أدى إلى استمرار الحرب لعشرين سنة، بعد أن ظن الأمريكان أنهم سيقومون بجولة خفيفة. وقد قتل في الحرب طوال هذه المدة ما مجموعه مليونان ونصف مليون إنسان، من بينهم ثمانية وخمسون ألف جندي أمريكي، من الفترة الممتدة من سنة 1955 إلى 1975. ولم يكن هناك من داع لهذه الدماء كلها إلا الخوف من أن يعتنق الشعب الفيتنامي فكرة معينة، ويؤمن بها. وهو أمر شبيه تماما بما يحدث في قطاع غزة؛ فهناك شعب آمن بحركة معينة، وصوت عليها، وأسند إليها تدبير أموره، وهو الآن يعاقب على ذلك.

مقالات مرتبطة

أنا وأبي

الضياع ..

والشاهد من إيراد هذا الحدث هنا هو أن المقاومة الفتينامية وبعد أن مر على بداية الحرب أكثر من عشر سنوات، قررت في سنة 1967 أن تقوم بهجوم مفاجئ “هجوم تيت – Tet Offensive” على كل المواقع العسكرية الأمريكية في المنطقة. وهو هجوم لم يكن أحد يتوقعه، وغطى كثيرا من المواقع، بما فيها السفارة الأمريكية. وكان هذا الهجوم نقطة تحول جعلت الولايات المتحدة تعيد النظر في كل خططها، وشكل بداية النهاية للوجود الأمريكي في الفيتنام، وصارت الحرب نحو نهايتها بحفاظ الفيتنام على استقلالها. فهل كانت أمريكا ستخرج من الفيتنام لولا المقاومة الشرسة؟

الحدث الثاني نستعيره من أفريقيا، وبالأخص من جنوب أفريقيا. فعلى خلاف ما يصورونه لنا من أن نيلسون مانديلا، يمثل رمز التسامح والسلم، فإن الرجل في الواقع آمن طوال حياته بأهمية الردع العسكري. ولذلك كان أول من أسس الجناح العسكري للمؤتمر الوطني الإفريقي African National Congress، وسماه “رمح الوطن Spear of the Nation”، وإن كان سيعتقله لاحقا في سنة 1963، ليبقى في السجن لمدة سبعة وعشرين سنة. فقد كان مانديلا منذ 1961 إلى سنة 1993 رافضا لفكرة وضع السلاح، ما لم يتم الاتفاق على كل بنود وتفاصيل التسوية، لدرجة أنه في زيارته للولايات المتحدة سنة 1997، كان لا يزال يُصنف في أوروبا على أنه شخصية إرهابية. وما ذلك إلا لأنه يمثل رمز المقاومة، وقد كان حصول جنوب أفريقيا على استقلالها بفضل هذا الجناح العسكري الذي أسسه مانديلا، ولولاه ما كان تحقق شيء مما تحقق.

الحدث الثالث نستعيره من فرنسا في أربعينيات القرن الماضي، ففي أثناء الهجوم الألماني على فرنسا، لم يكن أمام المقاومة الداخلية إلا أن تتوحد لمواجهة المد النازي؛ فتوحدت كل أطياف وحركات المقاومة في فصيل واحد، يديره “المجلس الوطني للمقاومة، National Council of the Resistance الذي كان على رأسه جون مولان Jean Moulin، نائب الجنرال دوغول المنفي في إنجلترا.

وبالرجوع إلى أصداء هذه المقاومة الفرنسية للألمان، سنجد تشابها مريبا بينها وبين الأصداء حول مقاومة حماس للعدوان الإسرائيلي، كما أنه هناك تشابه كبير بين طرق اشتغال المقاومتين، وهي، على كل حال، أشكال منتشرة في كل البلدان التي عرفت الاستعمار وحركات التحرر الوطني. فقد كانت هذه الحركات تعتمد من بين استراتيجيتها العسكرية حرب العصابات والعمليات الفدائية. وفي الوقت الذي كانت ألمانيا تحرق المدن، وتبيد أهاليها، وتقوض البنية التحتية، كانت الصحافة الألمانية تروج لفكرة تتكرر هذه الأيام حول قادة حماس، وهي أن دوغول يستمتع بالحياة في لندن ويدفع الشعب الفرنسي إلى الإبادة، كما شككت هذه الصحافة في جدوى العمليات الفدائية أمام جيش مدجج بالأسلحة المتطورة، وأن ما تملكه الحركات الفرنسية المقاومة من سلاح يبقى متجاوزا وتقليديا، ولن يكون له أي تأثير على موازين القوة في الحرب. هذا، فضلا عن الكذبة المتكررة وهي أن هذه الحركات تستعمل المدنيين كدروع بشرية، وأن ألمانيا لها حق الرد.

فهل التاريخ يعيد نفسه؟ أم أن الطغاة والظالمين يتشابهون في كل العصور؟ فهو نفس السيناريو يتكرر، وإن اختلفت الظروف، واختلفت الضحية، واختلف الممثلون، واختلف المخرجون، كما اختلف المتفرجون.

لكن الثابت في كل ما سبق، هو أنه بالمقاومة التي يُستهزأ بها، تحقق الشعوب استقلالها وتسترد حريتها. ولذلك، فقد نتعب، وقد نشعر بالإرهاق النفسي ونحن نتابع ما يحدث، ولكن الإيمان بالمقاومة، وبجدوى المقاومة، لن يتوقف، ولن يشوبه أي شك أو ارتياب. وإذا كان الألم يُقطعنا أشلاء ونحن نرى حجم الدماء الزكية التي تُراق على الأراضي الفلسطينية، فإننا واعون أشد ما يكون الوعي بأن ذلك مهر الحرية، وهي غالية. والحرية لا تُهدى لأحد، بل تسترد. ولا يقدر على ذلك إلا من استرخص كل شيء في مقابلها. وقد علمنا التاريخ أن الأرض تُحمى بالدماء، وتلك سنة الله، ولن تجد لسنة تبديلا أو تحويلا.

1xbet casino siteleri bahis siteleri