اصدع بالحق ولو كان مرا

93

ترى في المجتمع نوعين من البشر، هناك من يبحث عن الحقيقة ويتشبث بها بنواجده، والآخر تراه عكس ذلك؛ يتجنب قدر الإمكان الحقيقة، ويعيش في الكذب والأوهام، فلماذا يا ترى الحقيقة تعتبر نقطة مخيفة بالنسبة للبعض؟لقد عانى جميع المصلحين من رسل وأنبياء وصالحين في جميع العصور من الاضطهاد وألوان العذاب الذي كان يمارس عليهم، مع أنهم يدعون إلى الحق والطريق المستقيم والأخلاق الرفيعة والمبادئ النبيلة، إلا أنهم لا يلقون إقبالا من طرف سادات شعوبهم، بينما الذي يدعو إلى الباطل، والمنكرات، والفتن، والشهوات، وعرض الدنيا، وزينتها تراه يلقى إقبالا كبيرا من طرف الناس سادتهم وساستهم، فلماذا هذا التضاد؟ ولم الإقبال على الباطل والإعراض عن الحق؟ فما السر وراء هذا اللغز؟

إنما الإنسان العاقل يضبط شهوات نفسه بحكمته وعقله الذي يميز الخير ليتبعه والشر ليتفاداه، بينما حال الجاهل الذي يتبع ميولات نفسه بدون حدود ولا قيد ولا رادع يردعه، فهو ينكر الحقيقة والحق لأنهم تصدان عليه باب المتع ويكبحان شر نفسه، فهو يعتبر الحقيقة نقطة سوداء مخيفة تهدد كيانه وطموحاته الشاذة، لهذا ترى الأكثرية الساحقة تتبع الهوى والنفس الأمارة بالسوء لتقودها إلى متع الدنيا وزينتها في الطريق الحرام، بينما الحق ينكر كل هذه الميولات الشاذة والشهوات المفرطة، فلعل هذا هو اللغز وراء الإقبال على الباطل والإعراض عن الحق.

سيبقى الصراع أزليا بين الفضيلة والرذيلة، بين الحق والباطل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، مصداقا لقوله تعالى: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ} فالآية معجزة من معجزات القرآن، حيث إنها تشير إلى حالة المسلمين في عصرنا هذا، وما يتلقون من ألوان العذاب والاضطهاد واللاإنسانية من طرف السلطات العليا وحكومات البلاد.

فالأمثلة أكثر من أن تحصى سواء في العصور القديمة أو الحديثة، ففي أيام البعثة النبوية حين كان الصحابة يتلقون الضرب والقمع والعذاب حتى الممات من طرف سادة قريش، تراهم صامدين متشبثين بدينهم ومخلصين له كل الإخلاص، والعذاب يتكرر في زمن آخر ومكان آخر في إسبانيا أيام محاكم التفتيش، بحيث كانوا يخترعون تقنيات شيطانية لتعذيب البشرية، لقد عذبوا المسلمين بأشنع عذاب عرفته الدنيا، فقط لأنهم يدينون بالإسلام،

مقالات مرتبطة

وفي عهدنا هذا نسمع عن مسلمي كشمير والهند الذين يضطهدون من طرف حكومة بلادهم ويمنعوهم من تأدية واجباتهم الدينية وينكلون عليهم حياتهم أشد تنكيل، ويقتلون الآلاف منهم بدون أي سبب قانوني، فقط لأنهم مسلمين، والحالة هذه توجد مثلها في تركستان الشرقية التي تنضم إلى أراضي الصين يقطن فيها الشعب الإيفوري ذو الأصول التركية، فهم يعيشون عيشة لا يعلم بعذابها إلا الخالق، يحيون حياة بائسة مهانة تحت رحمة حكومة الصين، فتعتبر منطقة الإيغور من أكثر المناطق المعبئة بالجيوش الصينية لحراسة المسلمين ومراقبتهم والتجسس عليهم واضطهادهم لأبسط الأسباب، فقد صرح اللاعب مسعود أوزيل بقوله: “في تركستان الشرقية، المصاحف تحرق والمساجد تغلق، والمدارس تحظر، وعلماء الدين يقتلون واحدا تلو الآخر، والإخوة الذكور يساقون قسريا إلى المعسكرات”، فقط لأنهم يدينون بدين الحق.

تتكرر الاضطهادات في كل بقعة تضم العرق الإسلامي من بقع العالم، كما باح بها الكاتب تركي شلهوب حيث قال:” ذبحوا المسلمين في العراق، وذبحوا المسلمين في سوريا، وذبحوا المسلمين في أفغانستان، وأبادوا المسلمين في البوسنة، وأبادوا المسلمين في ميانمار، وأبادوا المسلمين في الصين، وأبادوا المسلمين في الهند وكشمير ويشنون حملات شيطنة ضد الإسلام والمسلمين في الغرب ثم يتهموننا نحن بالإرهاب.” فأين الإنسانية يا قوم؟ أين الحضارة والعلم الذين يتميز بهما الأجنبي عنا؟ ماذا استفادوا من التطور التكنولوجي والصناعي والعلمي إن كانوا بلا إنسانية وبلا قلب ينبض بالرحمة؟

إنهم إخواننا ونحن إخوانهم يشتركون معنا في دين واحد، وقرآن واحد وقبلة واحدة وغاية واحدة وهي الجنة، فهم منا ونحن منهم وسيبقى دعاؤنا لهم أقوى سلاحنا، فاليد مغلولة والله على كل شيء قدير، فالنصر للمسلمين آجلا أم عاجلا، وسنبقى نصدع بالحق وندافع عن الإسلام والمسلمين ما حيينا، ولن يكون الصدق فضيلة خرساء.