التفاهة تتصدَّر المَشهد

حينما تتنامى في المجتمع سلوكيات لا أخلاقية وأفعال غير مشروعة وتتكرر باستمرار بدون صوت يقمعها أو سلطة تردعها، حينها تصبح من العادات ومن الأمور الطبيعية المقبولة من طرف المجتمع. إن اللاوعي حينما يتلقى أفكاراً بغض النظر عن مشروعيتها بتكرار دائم يتقبلها وتصبح من الأمور التي لا نقاش فيها ولا جدال يحتدم حولها.

إننا نتحدث عن نظام التفاهة، النظام الذي يسيِّر الأفراد والمجتمعات، وبكل أسسه ومرتكزاته وسلطته يغدو تافهاً بلا قيمة ولا مبادئ، نظام يؤمن بكل ما هو مادي ومدني، ويمقت الأخلاق والدين والقوانين التي تحد من حرية المرء، يؤيد كل السبل التي تزيد من الدخل المادي وإن كانت سبلاً غير مشروعة ولا أخلاقية.

إطلالة قصيرة المدى على مواقع التواصل الاجتماعي تشرح لك عزيزي القارئ أُسُس هذا النظام الذي يشجع التفاهة ويؤيدها بكل ما أوتي من قوة المال والسلطة، فلقد أصبحت السلطة والحكم بأيدي التافهين والشهرة للتافهين والمشهد يتصدر من قبل التافهين وكلُّ ما يروّج من محتوى يعد تافهاً ساذجاً لا يحمل أية قيمة أو مبدأ أخلاقي أو منفعة للعامة.

هل بإمكاننا أن نغض الطرف ونتجاهل صوت ضمائرنا ونصمت عن مثل هاته القذارات التي انتشرت كانتشار النار في الهشيم ونحن نعلم أن الجيل الصاعد يشاهد بدون رقابة ويكتسب تلك الأساليب بدون وعي، فإن كنا نظن أن الجيل الجديد سينمو نمواً طبيعياً وسيكتسب قيماً أخلاقية وإنسانية وسيكون خير خليفة على وجه هذه البسيطة في ظل هذه التفاهة التي تحيط به من كل جانب فنحن نضحك حينها على أنفسنا وعاجزين عن تقبل الحقيقة المرّة التي تواجه مجتمع اليوم.

لقد ألقت التفاهة ظلالها على كل ميادين الحياة، وإنك لتجد جذورها متشعبة في كل ركن من أركانها حتى غدت حياة المرء تافهة بدون وجهة محددة تسيِّرها، قد فقد المرء فينا بوصلته التي تُميِّز له الخير من الشر والجميل من القبيح، أصبح الكل عنده سواء،  بل إن المصلحة حيث تكمن حيث يكمن الخير، هذا النظام المهيمِن على حياتنا أجبرَنا على تبني قيمٍ في ظاهرها الإنسانية وفي باطنها المصلحة الذاتية، وطبع على عقولنا أن امتلاك أجود السيارات وأفخم المنازل وتكديس الأموال في الأبناك هو معيار النجاح وهي الجنة فوق هذه الأرض التعيسة، قد نجح هذا النظام إلى أبعد الحدود في قلب موازين الحياة واستبدال قيمٍ بقيم وهميةٍ وإحياء المادية داخل كل فرد وفي المقابل إماتة كل ما هو روحاني في الإنسان.

يقول الدكتور آلان دونو في كتابه “نظام التفاهة” : {ما يجعل من كثير من تافهي مشاهير السوشال ميديا والفاشينستات يظهرون لنا بمظهر “النجاح”، هو أمر يُسأل عنه المجتمع نفسه، الذي دأب على التقليص التدريجي لصور النجاح التي تعرفها البشرية ككل، (العمل الجاد والخير للأهل والمواطنة الصالحة وحسن الخلق والأكاديميا والآداب والفنون والرياضة إلخ)، فألغاها جميعاً من قائمة معايير النجاح، حتى اختزلها في المال فقط، فلم يُبق إلا عليه وحده معياراً }.

نحن الأمر والنهي، نحن الجمهور الذي بيده الكلمة الأخيرة، نحن من نتحمل المسؤولية في ترميز التافهين وتهميش المثقفين، شئنا ذلك أم أبينا، عن وعي منا أم سهواً، منّا تنبثق الشرارة الأولى، فلنكن على وعي كامل بطبيعة ما نزرعه لأننا سنحصده يوماً ما لا محالة.

1xbet casino siteleri bahis siteleri