الهدف واللذة

إنسان بلا هدف يساوي إنسانا بلا معنى! هكذا يصرخ البشر في وجه الحياة، وعلى ما يبدو، هناك من اعتاد ترديد عبارات من قبيل: هدف، مستقبل، وظيفة…إلخ، حتى أصبحت عقيدة ثابتة لا تقبل النقاش، بيد أن التحليل المنطقي والواقعي لهذا السلوك يعبر بشكل واضح عن ارتباك في استعمال المفاهيم بدقة.

هذه الحقيقة تم إثباتها قديماً فأخذت لها مكاناً بين الدراسات العلمية، خاصة المرتبطة بالشق النفسي والسلوكي، أما وأنني لا أحبذ ترديد ما قد قيل، ارتأيت أن أفسر هذه الواقعة انطلاقاً من الملاحظة الملموسة والتجربة المعاشة.

والحق أن الإنسان لا يبحث عن هدف لتحقيق وجوده وإنما يبحث عن معنى ما يجهل مادته من الأصل، هذا الأصل يتصل بشكل وثيق بما يسمى “اللذة”، غير أن الإشكال الحقيقي هو مصير ما بعد المعنى؛ فاللذة هي نتاج وجود هذا المعنى، ثم أنه لا مندوحة عنها؛ إذ لا تحضر إلا انطلاقاً من النداء الذي تصدره “الأنا” بعد تحقق طلبها. ولما كنت قد عثرت على معنى ساورتني لذة دفعتني إلى أن أبحث عن معنى آخر.

هذه الحقيقة تشبه إلى حد ما مفهوم “الهدف” فكلاهما من جانب الماهية سواء.

إلى جانب اللذة، هنالك عنصر مركزي يعد المحرك الظاهر نحو البحث عن المعنى، وهو الإرادة، فالإنسان يريد لوجوده معنى، وكأقل تقدير، يبحث باستمرار عن هذا الذي أسماه “معنى”. لكن، هذا العنصر يشوبه نوع من القصور والنسبية؛ إذ ليست الإرادة -دائما- هي الدافع للسلوك البشري، لأنها أحيانا ما تضعه بين نقيضين -التردد والإقدام- بل في ريبة من أمره.

يمكن القول إن لاوعي الإنسان، أو بتعبير آخر، تلك الحقائق والقيم العالقة في الصندوق الأسود هي السبب وراء جعله يبادر -غيابيًا إن صح ذلك- إلى إيجاد معنى، وهذا المعنى لا يختلف مع ما يخزنه الصندوق الأسود، وبالتالي هناك طابور لانهائي من “المعنى” فبمجرد ما يتجاوز الأول يتم الانتقال لا إراديا إلى الذي يليه، وهكذا دواليك!

إن الهدف من هذا المعنى لا يعدو كونه رغبة أحادية تتخذ صوراً متعددة، فحين أفكر في الحصول على وظيفة لا أعبر عن إرادتي، بل إنني غائب كلياً عن فهم ما أود القيام به، ثم إن ارتباكي هو الدافع وراء إيجاد “الغائب” فتبقى ذاكرتي في ضبابية تامة تجاه هذا الشيء المفقود.

إن هذا الخلط هو ضرب من الجهل، واعتقاد الناس بوجود هدف مرده إلى أمرين:

  • أولا: أن التماهي مع الألفاظ المكررة يفتح الباب على مصراعيه أمام تكون آراء وهمية تقبل باعتبارها حقائق، من خلال التواصل بشكليه المباشر وغير المباشر، وسواء كان لهذه الألفاظ معنى أم لا فهي تظل حقيقة ثابتة، ومن هنا، فإن الإنسان أصبح لا يقيم الدليل على المعطيات المعروضة عليه، لأنه عطل بطريقة ما ملكة النقد وعطل معها جهاز العقل.
  • ثانيا: أن وعي الإنسان اعتاد على ترديد بعض الحقائق الفاسدة وكأنه يمارس الإيهام على ذاته حتى أصبحت من المسلمات، هذه الواقعة نفسها يمكن تفسيرها من منطلق عاطفي محض؛ كون الناس في تعاملاتهم اليومية يلجؤون إلى الاستدلال العاطفي أكثر منه إلى المنطق العقلي، فلو أن أحداً اشتكى إليك سوء المعيشة وأخبرك أنه سيشرع في البحث عن عمل -هدف- ليعيل أسرته، في تلك اللحظة أنت غائب كلية عن وعيك، وكل ما يحركك للمشاركة هو ذلك الشعور المبطن في داخلك والمرتبط أساساً بالعاطفة.

هذه المواقف تتكرر كثيرًا وبشكل يومي بوضعيات مختلفة، وبالتالي، فإن آلية التكرار هذه تسهم في تأسيس معتقد جديد يكون في فترة معينة حقيقة تسفك من أجلها الدماء.

في النهاية، أود أن ألفت انتباه العقول اليقظة إلى مسألة مهمة، وهي أن التفكير لا تحده حدود، وأن العقل لم يعد يرزح تحت النِّير كما كان في عصر الظلام خاضعاً لإملاءات لاهوتية رجعية، فمن أجل تطوير المعرفة لا بد من وجود شعور كوني لدى البشرية بموضوع التكامل المعرفي، وبحقيقة أن هنالك مغالطات مفاهيمية يتعين تحديد موضعها الصحيح، كما لا بد من وجود وعي بأن الانتهازية تود تأسيس نفسها على أنقاض الجهل الذي تغرق فيه الأمة.