بعض مراكز الاهتمام التي تعطي توازنا في الحياة

 

يمكن تقسيم تاريخ البشرية في عيني الى ثلاث حقب، الاولى قبل الثورة الصناعية ثم مرحلة ما بعدها الى حدود الثمانينيّات من القرن الماضي فثالثة بدأت في التسعينات الى حدود الساعة. لست مؤرخا أو عالم سوسيولوجيا، لكنني إنسان يلاحظ و يسافر و يخالط الناس كثيرا و أحاول ربط الأشياء و التوجهات و الموضات السلوكية للمجتمعات و الأفراد و سبب كتابتي لهذا المقال نابع من إعجابي المفرط بالحقبة الحالية التي نعيش فيها بعيدا عن التعقيدات و المشاكل الجيوسياسية و النزاعات العالمية، ففي غالب الأحيان هي أمور لا تهم إلا أصحابها مع أن لها آثارا مباشرة و غير مباشرة على المجتمعات و الأفراد اقتصاديا و أمنيا و علميا و فكريا و كذلك استهلاكيا.

و لكي لا أطيل في التمهيد، تتميز هذه الحقبة بسلوك الأفراد بهدف إيجاد توازن في الحياة.
هناك ثلاثة أقطاب تشكل مراكز اهتمامات حديثة شخصية للأفراد و هي كالتالي :
أولا : النجاح في الدراسة و المسار المهني و المكانة داخل المجتمع
ثانيا : العلاقات مع الغير من محيط عائلي و أصدقاء و مجتمع..
ثالثا : العلاقة مع الذات من الناحية الروحية و النفسية و البدنية

و يشكل التوازن في تغذية كل واحد من المراكز الثلاثة السبيل الى التوازن في الحياة. و ما يميز هته الحقبة دون غيرها هو ما أحدث فيها في العشر سنوات الأخيرة. فبالنسبة لمركز الاهتمام الأول هو مشاركة بعض تفاصيل أعمالنا و دراستنا و أنشطتنا الاجتماعية مع أكبر عدد ممكن من الأشخاص فننتظر التفاعل من الآخر كي نحس بقيمة ما نفعله في أعين الآخرين فقد باق الإعجاب من طرفهم غاية تغذي ثقتنا في أنفسنا بطريقة غريبة، و كذلك معيارًا جديدا للنجاح. أما بالنسبة لمركز الاهتمام الثاني فيوجد اقحام و تغليب في بعض الأحيان للتواصل الافتراضي حيث أصبحنا أكثر تواصلا من ذي قبل مع العائلة و الأصدقاء و معارف جدد و أصبحنا نعلم تفاصيل كثيرة عن ما يقومون به أكثر من الماضي لكننا في بعض الأحيان لا نتذكر متى التقينا آخر مرة و تبادلنا الزيارة أو احتسينا كوبا من القهوة. أذكر في إحدى اللقاءات أنني قلت لأحد الحاضرين توحشتك يا صديقي مدة ما شفتك، و في الحقيقة تلك كانت أول مرة ألتقي به فيها لكنني انتبهت بعد ذلك و قلتها له فضحكنا كثيرا.
أما بالنسبة لمركز الاهتمام الثالث، و هو بالنسبة لي أكثر شيء استجد في الآونة الأخيرة و هنا أفصل أكثر، فمن الناحية الروحية أصبح الإقبال على المناقشات و الانشطة الروحية المتعددة المظاهر كثيراً و ذلك خارج الإطار التقليدي المعتاد و بطرق مبتكرة بعضها مقبول من طرف أغلبية المجتمع و بعضها الآخر مبتدع جديد لدرجة ضن البعض أنه ثم احداث ديانات أو طقوس دينية جديدة على الأقل كي لا نتهم أحدا.
أما الاهتمام بالجانب النفسي فلاحظت اهتماما بالغا به خصوصا عند فئة الشباب بكتب الفلسفة و علوم السوسيولوجيا و التطوير الذاتي حيت صرنا نرى شبابا ناضجا أكثر فأكثر و في بعض الأحيان في سن مبكرة بل و توازنا نفسيا عند شباب في مراحل كانت بالأمس معروفة بسلوكيات متطرفة من ناحية العنف و العواطف و النرجسية.
و أما الاهتمام بالجانب الجسدي فيحضى اليوم بحصة الأسد حيث أصبح فن الأكل السليم و الرياضة النوعية التي تصب في إطار العقل السليم في الجسم السليم أكثر تطورا من ذي قبل، و ألاحظ ذلك من خلال عدد الكتب و القنوات التلفزية و المواقع الاجتماعية و التطبيقات الذكية التي اتخذت من الموضوع حرفة جديدة و ما يدور حولها من منتوجات استهلاكية و ألبسة و مواد غدائية و أشياء أخرى مرتبطة بها. انه فعلا نمط جديد في الحياة.
قد يقول البعض أن ما ألاحظه هو فقط يخص فئات محدودة ميسورة من المجتمع أو أخرى متمكنة من هذا الترف، و أنا أقول أن المسألة عبارة عن توجهات جديدة ستطول فئات أوسع من المجتمع لا محالة من خلال ما يسمى بتأثير الدومينو Domino effect..

مقالات مرتبطة