فتوحات محمد بن القاسم: بلاد الهند والسند

1

لطالما أثار انتباهي الخليط غير العادي الذي تتمتع به الهند من مجموعات عِرقية، ووفرة في اللغات غير المفهومة تبادليا، وتنوعات في الطوبوغرافيا والمناخ، ومجموعة متنوعة ضخمة من الممارسات الدينية والثقافية وتلك الهوية الوطنية التي تشبه حيوانا نادرا! هذا التنوع الاستثنائي الذي جعل منها بلدا بصيغة الجمع كما يقول التعبير المبتذل “العديد من الهند”.

في الهند كل شيء موجود بأشكال متنوعة لا حصر لها، من أديان ولغات وأذواق وعقائد وثقافات وإيديولوجيات حتى الزي، والعرف والمطبخ كل هذا على أرض تضم شعبا لا يقل عن ١.٣ مليار.

كل هذا وأكثر جعلني أتساءل: كيف دخل الاسلام تلك البقعة التي كانت تعج بالأديان التي تأنفها النفس البشرية؟ وكيف كانت محاولات المسلمون تلك التي استمرت على مدار عقود في فتح بلاد الهند والسند؟ وكيف استطاعت الهند أن تظل -إلى يومنا هذا- خزان المسلمين وحامية بيضة الدين؟

بعد مجيء الخليفة الثالث عثمان بن عفان -رضي الله عنه- أرسل إلى واليه على العراق عبد الله بن عامر بن كريز يأمره بالتوجه إلى بلاد الهند التي كانت على ثغور الدولة الإسلامية حينئذٍ ليستكشفها، ويرسل إليها رجلا حاذقا، وقد وجّه ابنُ عامر بالفعل قائده حكيم بن جبلة العبدي الذي بقي فيها فترة من الزمن، فأدرك دقائقها، وعرف خفاياها، فعاد إلى الخليفة عثمان في المدينة النبوية، وحينما سأله عثمان عنها، أجابه الحكيم: “ماؤها وشْلٌ، وثمرُها دقْل، ولصُّها بطل. إن قلَّ الجيشُ فيها ضاعوا، وإن كثر جاعوا. فقال له عثمان: أخابر أم ساجع؟ قال: بل خابر. فلم يغزها أحد، فلما كان آخر سنة 38 هـ وأول سنة 39 هـ في خلافة علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، استأذن منه الحارث بن مرّة العبدي متطوعا بإذن على فظفر وأصاب مغنما وسبيا ثم عاد.”

بعد استشهاد عثمان ثم علي -رضي الله عنهما- ثم مجيء الدولة الأموية، واجهت الدولة آنذاك أحداثا جساما بعد استشهاد الحسين، ووفاة يزيد بن معاوية وتنازل ابنه معاوية الثاني عن الخلافة، وغيرها من الأحداث الأخرى؛ كل ذلك أوقف من الفتوحات الخارجية بما في ذلك استكشاف السند والهند، ومتابعة مستجداتها السياسية وأخبارها.

مع انتصار عبد الملك بن مروان -وهو الخليفة الخامس من خلفاء بني أمية والمؤسس الثاني للدولة الأموية- وإعادة توحيد الدولة من جديد، عين الحجاج بن يوسف الثقفي على العراق، وأمده بصلاحيات واسعة شملت تعيين ولاة فارس وخراسان وبلاد المشرق، ارتأى الاثنان أن يُعيدا عمليات الفتوح الإسلامية التي توقفت منذ زمن، وقد حاولا بالفعل عدة محاولات على استحياء لكنها لم تصل إلى مبتغاها بسبب وجود الخارجين على الدولة الأموية في مناطق مكران وغيرها من المناطق المحاذية لإقليم السند (باكستان) التي كان يحكمها حينذاك الملك “داهر”. وفي يوم من الأيام أرسل ملك جزر الياقوت إلى الحجاج سفينة محملة بنساء أرامل فسطا عليهن ملك الهند، وكان آنذاك ثلاثة ملوك يتقاسمون الهند والسند، فأرسل الحجاج إلى “داهر” أن أطلق سراح النسوة وأرسلهم إلي، فرفض الأخير هذا العرض. وكان المسلمون آنذاك يتحرقون شوقا إلى غزو الهند واشتعل حماس الحجاج فانتخب لهذه المهمة فتى يافعا يبلغ سبع عشرة سنة هو ابن عمه محمد بن القاسم الثقفي.

كان ابن القاسم ذو الشخصية الفذة في سن مبكرة متمرسا على جميع فنون القتال، وكان بارعا ماهرا في الضرب في المنجنيق، وأصبح مع حداثة سنه أحد أبرز القادة الأربع في زمانه موسى بن نصير فاتح قبرص وقتيبة بن مسلمة الباهلي فاتح بلاد ما وراء النهر ومسلمة بن عبد الملك فاتح بلاد الروم.

مهمة عظيمة جليلة يجبن أمامها عظماء الفرسان، انتدب لها الحجاج فتى صغيرا لا يبلغ عمره سوى سبعة عشر عاما، لم يثر هذا الأمر غيرة الفرسان العظماء فحسب بل لأن الحجّاج عقد عَلَى ثغر السّند، وموله بستين مليون درهم، وضم إليه ستة آلاف من جُند أهل الشام وخَلقا مِن غيرهم أي بواقع عشرة آلاف درهم لكل فارس، وجهَّزه بكل ما احتاج إليه.

حين جاء الأمر من الحجاج بالتحرك، انطلق الجيش بقيادة الشاب محمد إلى مكران في منطقة سجستان ثم بعدها إلى الديبل في جنوب السند، وبدأ ابن القاسم في تشديد حصاره على المدينة، أطلق شرارة الهجوم بدكِّ أسوارها وبيوتها بمنجنيقه الكبير، إلى أن انتصر في جميع الوقائع التي خاضها، وقطع تلك البلاد المترامية والصحاري المقفرة وهو يفتح البلاد والقرى والمدن إلى أن وصل قرية على ساحل بحر العرب في أرض السند من أعظم حصونهم، وأمر ابن القاسم جيشه أن يستهدفوا مكانا معينا في المدينة هو معبد ضخم للهندوس تعلوه راية تمثل الشموخ والعزة والمنعة عند الهندوس، فأمرهم أن يضربوا بالمنجنيق إلى أن دمرت السارية التي تعلوها الراية فدمرت معها معنويات الهندوس.

وأما بقية جيش ابن القاسم فقد خرجوا مع مقاتلين من المسلمين الجدد من أهل تلك البلاد استعدادا للحرب الكبرى مع جيش داهر -الملك الذي أرعب السند والهند-.

تحكي لنا صفحات التاريخ الذكاء الفذ الذي تمتع به الشاب محمد خلال حربه مع داهر. بنى محمد سدا عظيما على أرض السند واستدرج جيش داهر في مهران إلى موضع النهر، ثم فتح عليهم السد فأغرق منهم المئات وفرق صفوفهم وأمعن فيهم تقتيلا. فتح من ديار السند والهند ما عجز الإسكندر العظيم قبله أن يحرر خموصه. فتح الثقفي الشاب عاصمة داهر -حيدر آباد اليوم- ثم تابع مسيره محاذاة بنهر السند حتى نزل أرضا شديدة الحر سماها صقر، ثم انطلق بجيشه حتى وصل قلعة السند الأعلى وكعبة الهندوس آنذاك: ملتان. يقول فيها الشاعر:

بفتح ملتان قد ضاءت مآذنها *** وضاء فيها هلال النور يزدان

وعلى عادة الفاتحين المسلمين إذا دخلوا قرية أمنوا أهلها، وعلى الرغم من صغر هذا الشاب إلا أنه كان يملك من الحكمة الشيء الكثير، حيث عرف طبيعة السكان الرقيقة فعاملهم معاملة حسنة فأحبه الناس وأمنوا له على أنفسهم وأموالهم.

وبعد عامين من فتح هذه المدينة، جاء الخبر بوفاة الوليد بن عبد الملك ومبايعة أخيه سليمان فحصل ما كان يتخوف منه محمد بن القاسم، انتقم سليمان من كل عمال أخيه الوليد ممن عينهم الحجاج وولى على العراق رجلا يدعى صالح بن عبد الرحمان.

عزل صالح محمدا عن ولاية الهند وأوكلها إلى خصم حقود اسمه يزيد بن سبكة السكسكي.

بعد عزل محمد بن القاسم، أْمر باعتقاله فجروه على صحراء قاحلة، سحلوه فخرج أهل البلاد كلهم وراءه يشيعونه ويودعونه.

اقتيد محمد بن القاسم مقيدا بالأغلال إلى العراق وزج به في السجن، فلقي هناك شتى أنواع التعذيب إلى أن توفاه الله وهو لم يبلغ الرابعة والعشرين من عمره.

ترك ابن القاسم بلاد السند وأجزاء في أقاليم الهند في حاضنة الإسلام، وسرعان ما عمل الدعاة على نشر الدعوة، وإقامة المساجد، فصار كل مكان في السند والهند بل وكل زاوية وكل ركن وكل مدينة وكل قرية تذكر اسم محمد بن القاسم الثقفي.
يقول الشاعر يزيد بن الحكَم:

إِنَّ الشَّجَاعَةَ وَالسَّمَاحَةَ وَالنَّدَى *** لِمُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ
قَادَ الْجُيُوشَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ حَجَّةً *** يَا قُرْبَ ذَلِكَ سُؤْدُدًا مِنْ مَوْلِدِ

رحم الله بن القاسم فقد كتب في صحيفته أكثر من نصف مليار مسلم لا يزالون يعيشون بيننا ويرفعون اسمه فوق كل معلم منارا للأجيال وباء قاتلوه بالخزي والخسران.