في فلسفة المِحَن

الأصعب دائما في كل مكروه يحلُّ بنا هو البداية. تلك الصدمة الأولى التي تفاجئنا عند أول وعينا بالمشكلة، ولذلك لم يكن عبثاً أن أوصانا النبي الكريم بالصبر عند الصدمة الأولى. والإنسان غالبا ما يستسلم لقدَره بعد حينٍ، ويتقبل الأمر بعد أن يدرك أنه لا مقدرة له على تجنبه قبل وقوعه، أو دفْعه بعد وقوعه. فإذا نزل المرض بالواحد منا لا بد أن يعيش قلقا نفسيا في البداية، ومع مرور الوقت يبدأ في التكيف مع الوضع، ويحاول أن يتعلم كيف يتعايش معه، وكيف يقلل من الخسائر والأضرار والآلام، ويتجنب الشكوك والوساوس ما أمكنه ذلك. أو بعبارة أدق، يحاول أن يعيش التجربة بشكل صحيح، بحيث يُصبح بعد التعافي من المرض، وبعد التخلص من تلك الآلام المصاحبة له، أقوى وأنضج، جسميا وذهنيا.

ما ضاقت إلا لتنفرج، تلك كانت حكمة الأوّلين. وفعلا، هذا ما حدث معي؛ فبعد يومٍ صعبٍ وصلتْ فيه الأعراض إلى ذروتها في حالتي، استيقظت في اليوم الموالي أحسنَ قليلا، لم يكن تعافياً كبيراً بقدر ما كان تحسناً ملحوظا، أعطاني دفعةً معنوية إيجابية بأن الأمور ستسير إلى الأفضل عما قريب. في تلك الأيام، حاولتُ أن أنقطع ما أمكن عن العالم الخارجي، لم أكن أزور مواقع التواصل الاجتماعي، ولا أتصل بأحد من معارفي وأصدقائي؛ كنت أريد لذهني أن يبقى صافيا حتى يُصبح تفكيري واضحا غير مشوش. أقضي معظم اليوم مستلقيا على ظهري، أحسب نبضات قلبي، وأراقب درجات تنفسي. ربما كانت فرصة مثالية للتفكير في قضايا لم أكن أجد لها وقتاً وظروفا مناسبين، أن أتقرب مني أكثر، أن أفحص غاياتي ورؤيتي للحياة، أن أراقب ذاتي، أن أقع في حبها مرة أخرى. من سوء الحظ، أنها كانت فرصةً اضطرارية ولم تكن عن اختيار، وذلك ما لم يعجبني في الموضوع؛ أريد أن أخوض هذه التجربة، أن أختلي لأيام طويلة بنفسي، أن أعيد اكتشاف ذاتي، لكن باختيار مني وقرار واعٍ، لا بطريقة عرَضية اضطررتُ إليها اضطرارا.

أعجبني هذا الحساب لنبضات القلب، أستذكر المواقف التي شعرتُ فيها بنبضات قلبي تزداد، إما بسبب الخوف أو لسبب آخر، وخاصة الخوف من الحديث أمام الناس في بداية محاولاتي إلقاء كلمات أمام الناس، ثم فجأة استحضرتُ ليلةً من ليالي المداومة التي كنتُ أقضيها في مستشفى ابن سينا بالرباط سنة 2012 في مصلحة المستعجلات الجراحية مع د. كمال السرّار، كنتُ حينها في السنة الخامسة من التخصص، وكان هو في السنة الثانية. جلسنا في غرفة المداومة نناقش، إذا بطبيب المستعجلات يدخل عليها مهرولا، أخبرنا أن هناك حالة حرجة للغاية، وتستدعي عملية جراحية على الفور، وأنه يتوجب علينا التدخل الآن ربحاً للوقت في انتظار وصول الطبيب المتخصص في جراحة القلب من منزله. أخبرتُه أنني لم أقم بعملية على القلب في حياتي، لكن سبق لي أن شاهدتُ عمليات جراحة الصدر وجراحة القلب عندما كنت في تدريب في مصلحة الجراحة العامة في بروكسيل، وبإمكاني أن أقوم بعملية فتح الصدر، والاطلاع على حالة القلب، لكن لا أعرف ماذا سأفعل بعد ذلك.

طمأنني قائلا: “ليس لنا حل آخر، المطلوب الآن هو فتح صدره، لأنه تلقى ضربة بسكين على مستوى القلب، وهو في حالة نزيف حاد الآن، إن لم نتدخل فقد يَقضي نـَحْبَهُ قبل وصول الطبيب المختص، فلْتَتشّجع، هذه مهمتك”.

وبالفعل، تشجعت وقمتُ بفتحة في صدره، وشخصتُ موضع الطعنة التي ملأتها بأصبعي لمنع استمرار النزيف، وبين حينٍ لآخر كنتُ أقوم بتدليك قلبه حتى يحافظ على نبضه، وبقيت على تلك الحال لمدة عشرين دقيقة، وهو الوقت الذي استغرقه انتظار الطبيب المتخصص في جراحة القلب. كانت تلك المرة الأولى التي ألمس فيها قلبا حقيقيا بيدي، وهو ينبض، كان شعوراً غريبا، وموقفا مهيباً.

وأنا أكتب وأستحضر تلك الواقعة، كانت نبضات قلبي تتسارع شيئا فشيئا، وكذلك كان تنفسي. وهو ما يعني أن جسمي يبذل جهودا كبيرة لمحاربة شيء غريبٍ ألـمَّ به. بدأت أحس بآلام في الحلق واللوزتين والعنق بشكل عام. وتلك الأعراض كلها تدل على أن هناك تعفنا فيروسيا. كان من الممكن أن يكون حالة أنفلوانزا موسمية شديدة، لكننا الآن في منتصف فصل الربيع، وهو ما يجعل ذلك الاحتمال مستبعدا. وعلى كل حال، فقد انتهيتُ في هذا الوقت من مسألة: هل هو الفيروس الجديد أم مجرد أنفلوانزا موسمية؟ أصبحتُ متأكداً أنني حامل للفيروس الجديد. ورغم أننا في منتصف شهر أبريل، فينبغي أن تعلم عزيزي القارئ أن الإصابة بالفيروس في هذا الوقت ما زال يكتنفه بعض الغموض، وما زال هذا الفيروس يحتفظ بشيء من غموضه وهيبته التي تخيف المصابين به، بخلاف ما أصبح عليه الأمر لاحقا.

مقالات مرتبطة

أحياء وكفى!

الفهم عن الله

عندما تصاحب طفلك!

قبل أن أصاب بهذا الفيروس، كنتُ بدأتُ أفكر في أكثر من مشروع، كانت فكرة هذا المقال تتملكني، وفكرة إطلاق منصة شفاء، وفكرة القيام ببث مباشر على الأنستغرام كل يومين، وأشياء أخرى أحتفظ بها لحينها، وكنتُ أستعد على قدم وساق، ثم جاءت إصابتي بهذا الفيروس لتُقعدني أرضا، وتطفئ تلك الشراراة التي كانت تدفعني إلى العمل. شعرتُ وكأن كل شيء قد انهار -أحمد الله أنه كان شعورا مؤقتا- وأنتَ خبيرٌ عزيزي القارئ أننا عندما نشعر أن الأشياء من حولنا تنهار تماما يصير تركيزنا كله منصبا على إيقاف مسلسل الانهيار وإيجاد الحل للمشكلة، دون فهم حقيقي للمشكلة نفسها، وهو ما يجعلها أكثر تعقيدا في بعض الأحيان؛ لأنه يمتنع أن تحل مشكلةً وأنت لا تفهم جوهرها وجذورها وأسباب وجودها؛ الفهم دائما سابق على الحل، كما أن فحص المريض وتشخيص الداء مقدم في الوجود على وصف الدواء.

لم يسبق لي عيشُ تجربة أو موقف مماثل لهذا، كان أمرا جديدا بالنسبة إلي، ولكل جديد دهشة كما يقال. بعد مرور بعض الأيام، اتصلتُ بأحد زملائي الأطباء الذين يعملون مع مرضى الكوفيد-19، لأخذ مشورته ونصيحته في الموضوع، طمأنني وأخبرني أنه من الممكن جدا أنني مصاب بالفيروس، وأرشدني بعض الإرشادات، وخاصة أن أبقى في معزل عن الناس وعن أفراد عائلتي، مع ضرورة الاتصال به إذا شعرتُ بأي تطور سلبي في حالتي، شكرتُه على إرشاداته وودّعتُـه. ورغم شعوري بالتحسن مقارنة بالأيام الماضية، إلا أن إصرار زميلي على ضرورة الاتصال به كلما شعرت بتطور سلبي للمرض جعلني أعيد التفكير في سؤال: ماذا لو تفاقم الوضع بشكل سيء للغاية؟ حقا لا ثبات لشيء في هذه الحياة؛ التغير طبعها وطبيعتها. كل شيء قابل للسقوط والانهيار في أية لحظة. كم نحن ساذجون حين نتغافل هذه الحقيقة، ونبحث عن الاستقرار في دار لا استقرار لها.

أصبحت أدرك أن خلق مساحات ذهنية لمثل هذه الأحداث قد يفيدنا في فهم الحياة بشكل أعمق. أن نتذكر أن الحياة لا استقرار لها ، وأننا قد نفقد كل شيء في لمح البصر أو أقل من ذلك، أو أننا قد نموت في أية لحظة، أمرٌ مطلوب جدا، ما لم يكن حالةً مرضية. لأننا حين نستحضر ذلك، سنعيش حياتنا بكل تفاصيلها الدقيقة والرائعة؛ فــ “ما يجعل الدنيا تبدو كالجحيم، هو آمالنا أنها ستكون كالجنة” كما قال تشاك بولانيك. ومن نافلة القول أنها ليست كذلك في نهاية المطاف.

إنه لا خيار لنا إلا أن نقتحم المناطق المظلمة في هذه الحياة، ونخوض تجاربها السيئة والمؤلمة مرة بعد أخرى، وأن نتجرع مرارتها مرة بعد أخرى حتى نتأهل لنفهمها بشكل أكثر نضجا وتماسكا وعمقا. فهي جميلة ودرامية لكنها تفوح منها رائحة الموت، وذلك جزء من طبيعتها. وما لم نأخذه بعين الاعتبار سنظل دوما مغيّبِين، ندّعي الفهم ولسنا بفاهمين، ونتذاكى ولسنا بأذكياء، ونزعم الوصول إلى الحق، ونحن عنه منقطعون. وأكبر الخسارات وأقصى درجات الضياع أن تنقطع عن الحق وأنت تمتلئ يقيناً أنك على وصلٍ به! لأنك لن تكف فقط عن البحث عنه، بل ستستميت دفاعاً عن باطلك وأوهامك!

كانت هذه وصية الصديق أبي بكر رضي الله عنه لأخيه خالد بن الوليد أنْ “احرص على الموت توهب لك الحياة”، وهي حكمة من حكيم، خبِر الحياة وعركها وعركتْه. عمل الأسد خالدٌ بنصيحة الصدّيق، فشارك في عشرات المعارك الدموية، ثم مات على فراشه موتةً طبيعية لا سيفَ فيها ولا رمح، كما تموت كل عجائز قريش اللواتي ما رأين حرباً ولا وطئتها أقدامهن.

وكَم من شخصٍ سافر إلى معظم بقاع العالم، ومرّ من كل محيطات الدنيا، وعاش الكثير من المغامرات الخطيرة، وأكل من مكانٍ دون أن يدري ما أكل، وسلِم من كل ذلك، ثم يتهدده فيروس غير مرئي في نهاية المطاف، ويُذيقه أشدّ العذاب في سرير للإنعاش؛ وتلك هي الأقدار، ومَن ذا يُغير قدَره؟!

1xbet casino siteleri bahis siteleri