كيف كان وقع الجائحة علينا؟

أُوقن أن الكثيرين منا، إن لم أقل كلنا، قد تغيرنا كثيراً بعد الجائحة؛ لقد تغيرت أفكارنا وأصبحت أكثر نضجاً، أو لِنَقُل أننا أصبحنا نرى جوانبَ أخرى من الحياة لم نكن ندركها من قبل، أو صرنا نراها بشكل مختلف. لم يعد يقتصر تفكير الواحد منا على الأشياء المعتادة التافهة، بل أصبحنا نغرق في التفاصيل، كيف؟ ولماذا؟ أصبحنا نتمنى العودة إلى الحياة السابقة التي كنا نتذمر منها ومن صعوبتها.

تعود بنا الذاكرة إلى تلك اللحظات التي كنا نشتكي فيها ونحن نملك الكثير ونطلب المزيد والأشياء التي كنا نريد الحصول عليها بلهفة. فجأة، أصبحت كل أحلامنا السابقة أقل معنى، وانحصرت أحلامنا في التمتع بصحة جيدة وأن نجتاز هذه المحنة على خير. أتذكر نوبات الزكام التي كانت تتردد علي سابقا بشكل موسمي وأحيانا بشكل مفاجئ، ولم أكن أعيرها الكثير من الاهتمام، كانت من الأشياء العادية التي تأتي وتمر كأنها لم تكن، كانت ضيفا خفيفا. أما الآن وفي هذه الظرفية، صار السعال والحمى أكبر كوابيسي، تخوفا من سيناريو ذي وجهين، إما زكام عادي أو ضيف ثقيل، غير مرحب به البتة.

خلال الفترة الأولى من الحجر المنزلي، كان يَعُمّني القلق والخوف والخوف من الخوف نفسه. وأحياناً كانت تجتاحني نوبات الذعر في الأسبوع الأول؛ فقد يخيل لي أن الفيروس ربما يكون في المغسل أو سطح المطبخ أو في كيس المواد الغذائية الذي اقتناه أبي، أو في كل الأمكنة. لم تفلح المطهرات ولا مواد التنظيف في التخفيف من ذعري، فقد كان هذا حال الكثيرين منا، ناهيك عن كوني من المهووسين بالنظافة، فالأمر هنا يزداد سوءا. مع مرور الأيام الأولى وارتفاع أعداد الوفيات في العالم، وتطور أعداد المصابين بالفيروس، كنت أحاول تحاشي منصات الإعلام التي تقدم الأخبار العالمية، ووسائل التواصل الاجتماعي التي كانت تصفعني بوابل من الأخبار الصحيحة والزائفة عن الوباء، واكتفيت في المقابل بالمنصات الوطنية، أترقب عداد الكوفيد تسعة عشر.

في اللحظة التي كان فيها البعض يهرول إلى المتاجر الكبرى، ليشتري حمولات ضخمة كأنهم يستعدون لنهاية العالم، بعد أن أصيبوا بضرب من الجنون، خوفٌ ربما نبرره بدافع البقاء الذي يتحكم في الإنسان. لكن الأنانية التي برزت في تلك المواقف كانت أكبر من ذلك. تخيلوا لو أن الأمر تعدى فئة معينة، وأن موجة جنون التبضع تلك أصابت الأغلبية منا، ونفذت المواد الأساسية لمدة معينة، أكيد أن ذلك سيساهم في هلاك الفئات المعوزة التي لا تستطيع أن تخزن هذه المواد، ونصير بذلك في أزمة ثانية؛ أزمة غَذاء!.

والمضحك في الأمر، أن ثقافة التبضع من الأسواق الكبرى في البلاد، عادة من عادات الموظفين والطبقة الميسورة والمثقفة. والغريب أن هذه الطبقة ولا أعمم بالطبع، كانت السباقة في التهافت على السلع، وهذا قد أظهر للجميع أن الضعفاء أبرياء وليسوا أصل التخلف كما تشير إليهم الأصابع.

تطوف بذهني الآن كلمات للإمام الشافعي، ولا أعلم إن كان هذا موضعها المناسب أم لا، يقول رحمه الله:

مقالات مرتبطة

عَطسَ الغَنيُّ فقال من حولَه *** رَحِم الإله حبيبنا وأخانا
وأتى الفقيرُ بِعَطْسَةٍ فتَأفَّفُوا *** مَنْ ذا الذِي بزُكامِه آذاناَ

توالت الأيام ولم يعد عدد المصابين والموتى في البلد يصدمني بقدر ما كانت تصدمني تصرفات الناس، سواء من العامة، أو غيرهم من الشخصيات، أفرادا أو جماعات. هناك من سولت لهم أنفسهم الخروج في تجمعات من دون أي هدف يذكر، وآخرون اتخذوا من أبواب المساجد مساجد أخرى افترشوها هم أنفسهم، معتقدين أن ذكر الله مقترن بمكان واحد لا ثاني له. كانت ردة الفعل المضادة، وهي شيء يدفع الإنسان للاستهتار بحقيقة ما يحدث، أمرا يحتاج الغوص في تحليل سيكولوجي اجتماعي لما كان يقع في العالم من رد فعل معاكس. ولا يخفى على الكثيرين منا ما كان يحدث من أمور، إن ارتأيت ذكرها فسيكون الأمر مملا ومحبطا جدا.

في أزمة كورونا، ظهر الإنسان الهمجي الذي لا يعرف سوى الخلاص الفردي وتميز الإنسان الحضاري الذي يعتبر خلاص جماعته من خلاصه. وهنا أذكر المبادرات الفردية كمجموعات من الشباب الذين تطوعوا لاقتناء وإيصال المساعدات للمحتاجين، شباب آخرون تطوعوا لصنع كمامات من أنواع مختلفة وتزويد الطواقم بها، أطباء ومختصون تبرعوا بوقتهم الخاص لتقديم استشارات طبية ونفسية مجانية، أفراد تطوعوا من مالهم الخاص، شركات مغربية تنتج الكمامات وتصدرها، أشخاص قدموا مساكنهم للجسم الطبي وتنازلوا عن مستحقاتهم الشهرية تعاطفا مع الفئات الهشة التي تضررت كثيراً، ومغاربة من كل جهات العالم تبرعوا للصندوق الخاص لتدبير الجائحة. بالإضافة إلى جمعيات، مؤسسات عمومية ومراكز صحية خاصة وضعت بناياتها رهن الاشارة. هذه الفئات وغيرها من فئات المجتمع، كانت حزمة نور في ظلام دامس. في أزمة الكورونا، ظهرت الإنسانية الحقة لكل منا، وأبانت الأنانية عن مخالبها المفترسة. في مكان واحد وزمن واحد، وقفت المتناقضات وجها لوجه.

لا أحد منا يستطيع أن ينكر أن هذه الأزمة علمتنا دروسا قاسية، فقد زادت ارتباطنا بالله وكشفت لنا مدى بعدنا عنه، كما انتبه الكثيرون منا لفقرهم، فالمال والنسب والمكانة الاجتماعية عجزوا عجزا أمام الجائحة. بالإضافة إلى ذلك، أعدنا ترتيب أهمية الفئات الموجودة بالمجتمع لوضعها الحقيقي، كالتعليم والصحة. ومن أهم الدروس التي تلقناها جميعا كانت، الصحة (النعمة المجهولة) التي اتضحت أهميتها. لا ننسى حديث رسول الله صلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي اختصر الحياة بضجيجها وبهرجتها و أوهامها الزائلة في قوله: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا».

من أجمل الدروس التي تعلمتها شخصيا من هذه المحنة؛ أن السعادة التي نبحث عنها كل يوم وفي كل مكان، لا يمكن أن تتعلق بالسفر أو السهر أو المطاعم أو السينما أو السيارات الفخمة…ففي لحظة واحدة، تتوقف كلها عن العمل. باختصار، سعادتنا يجب أن تكون مرتبطة بنا فقط نحن نصنعها ونحن نعيشها!

سنعترف دوماً بأن التجربة كانت قاسية، ولكنها علمتنا الكثير؛ علمتنا قيمة الأشياء التي كنا نملكها ولا نقدرها والتي كنا نجهلها أو نتجاهلها. هذه الفترة كانت فرصة يجب أن تستغل بحق، بأن يجلس كل منا مع نفسه ويراجعها. نأمل أن نكون ابتعدنا لنقترب أكثر، فالحياة الطبيعية التي كنا ننعم بها، كانت تشغلنا عن من حولنا وعن أنفسنا بالذات. خاسر من لم يعد ترتيب الحياة!