هل كلُّ من يكتب يسمى كاتبا؟

232

دائما ما نسمع أن الشّاعر يولد شاعرا والفنان يولد فنانا، لكن هل كذلك الكاتب يولد كاتبا؟ أم ينطبق عليه حديث رسول الله ﷺ “إنَّما العِلمُ بالتَّعلُّمِ والحِلمُ بالتَّحلُّمِ.”

في نظري أن الكتابة جمعت بين الموهبة والاكتساب، حيث إن ملكة الكتابة تخلق مع الإنسان، لكن لا تكتمل إلا باكتساب الخبرة والدراسة والقراءة الوافرة ثم القراءة ثم القراءة بنهم، ولكن ليست القراءة السريعة التي يسميها أيمن العتوم “مرور الفراشة على الصخرة”، اقرأ بتأنٍّ ومذكرتك معك تدون فيها الأفكار الجديدة والكلمات الجميلة.

ولا تحسب أن القراءة بمثابة كرسي وكتاب وفنجان قهوة، بل هي صبر ومصابرة ومصاحبة للكتاب، كما قال يحيى ابن أبي كثير “لا يستطاع العلم براحة الجسد”، إذن لا بد من المطالعة الكثيرة لامتلاك فصاحة ولغة رصينة ووفرة في المفردات.

يقال أيضا بأنّ الشاعر الحقيقي ليس من ينظم قصيدته وإنما القصيدة هي ما ينظمه، كذلك يمكن إسقاط هذه النظرية على شخصية الكاتب الحقيقي الذي يناديه ذلك الصوت الداخلي في أعماقه لكتابة ما يختلجه من شعور وإحساس ينثره في حروف إبداعية تدبُّ فيها الحياة.

مثل ذلك الكاتب الذي وصف دمعة حبيبته حين قال: “ما رأيت دمعة تترقرق من عين على ديباجة خدٍّ أحسن من عبرة أمطرتها عيناك.”

مقالات مرتبطة

أو حينما وصفت رضوى عاشور غرناطة في ثلاثيتها، حين جعلت التاريخ المهمَّش يحيا من جديد بعيدا عن القصور وصراع النياشين، لتنقلنا إلى حي البيازين وتصف لنا مراسم الزَّواج والحياة الدينية وأحاديث الأندلسيين داخل رَوْضات بيوتهم تحت أنغام صوت الماء الخارج من النافورة التي تزيدها جمالا الأزهار المعلقة وأشجار الليمون والزيتون.

لا يستطيع الكاتب وصف الأحداث وتصوير المشاهد هكذا إلا إذا كانت روحه معجونة في كتاباته يحسها ويعيشها وجدانا قبل أن تصبح كلمات، ويضع القارئ وكأنه يشد على يديه فيتجول به بين الأماكن فيريه الأحداث أمامه، وهذا هو الفرق بين الكتابة الجافة والكتابة الحية التي تجدها عذبة على اللسان.

هذا الأسلوب يتميز بالسهل الممتنع الذي يعتمد على البساطة والبلاغة، والسرد من غير ملل، والتشويق من غير تكرار، وهذا التخصص يُعد من الفنون التي لا يتقنها إلا الكاتب البارع الذي يحمل قلمه في يديه كأنها ريشة يعزف بها على أوتار العود يسمعنا بها أعذب الألحان.

لذلك أوصي نفسي أولا وكل من يطمح أن يصبح كاتبا، لا تستعجل قطف الثِّمار ودعها حتى تنضج، بل وتمَهَّل بتُؤَدَة حتى تسقط لوحدها، وهنا لا محالة، ستفرز لنا هذه الثمرة جمالا و حلاوة.

ولكن لا تنس، بأن تكون قارئا جيدا أحسن من أن تكون كاتبا فاشلا.