لحظات أهملناها

الآن وتفاصيل ما تعيشه في الوقت الراهن لا تعلم لا من قريب أو بعيد هل ستحظى به مرة أخرى. الثانية الواحدة جزء يكمل الأجزاء الأخرى من حياتك، يؤسف أن الأوضاع اليوم أضحت تتغير سريعا دون رحمة ولا شفقة، فما تعتبره اليوم عاديا قد يصبح حلما في الغد القريب، دفء العائلة ضحك الأصحاب وحب الأقربين.

ألاحظ أن كل ما يصنعه أحبابنا هو آلام مستقبلية لنا، وفي المقابل كل ما نصنعه لهم هو آلام لهم، إن ضحكاتنا اليوم مع أناس نحبهم ونشاطرهم نبض تلك العضلة يسار صدرنا، هي ذكريات مميتة لنا أو لهم، أو من يدري. لعل وفاة أو بعد أحد الأحباب يقطع نياط الأقربين له وقد نختلف في مفهوم الأقربين؛ فمن منظور مقالنا فلا قرب إلا بحجم وعدد الذكريات المشاركة مع الشخص، ألا يحدث أن يتذكر أحدكم أن فلانا (صديق، حبيب، أخ، صاحب) سيأتي يوم وستفارقه، أو في أحسن الأحوال سيكون فراقكما نسبيا، مثلا من فارقت وباعدت بينهما ظروف العمل، وفي أسوئها سيكون الفراق أبديا كما هو الشأن بالنسبة لواقعة الوفاة.

لعل القاعدة تقول بالصريح أحبب من شئت فإنك مفارقه وفقا للحديث القدسي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أتاني جبريل فقال: يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، ثم قال: يا محمد! شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس.’‘

إذا خلق الوالدان ليكونا ذكريات لأبنائهما، وإذا خلق دفء الإخوة في فترة الطفولة والشباب ليكون سندا لنا، فماذا عن الزمالة في المدرسة والعمل؟ ماذا عن علاقات الحب؟ ماذا عن المشاعر المتبادلة؟ أفهم أنها خلقت بعمر محدود وقصير رغم ظننا أنها كانت الكل، رغم اطمئناننا أننا سكون دائما بخير بسببها.

يرعبني أن الرأس مقبرة يستيقظ موتاها ليلا، مقبرة لا تحتوي جثثا لأناس فارقوا الحياة فعلا، فيكفي أن تذكرهم يوقظ مواجع كانت في يوم من الأيام وطنا ورديا مزهرا لا يحمل إلا المسرات والأفراح، أياما مليئة بالأحداث اعتبرناها في وقتها مجرد لحظات وكفى، لحظات عادية عابرة، لكنها ولتفاهتنا لم تكن كذلك بل كانت أكبر من ذلك بكثير، كانت أياما أكبر من أن لا نكترث لها بهذه الطريقة، والدليل أنه قد لا يخالفني أحدكم عندما أقول إن مجرد التفكير في يوم وداع مع أحد الأبوين أو أحد الإخوة يمزق القلب قطعا صغيرة يستحيل جمعها ولمها لتشكل قطعة واحدة مرة أخرى، وإن كان هذا يذكر بشيء فإنما يذكر بالآتي: جئت مذكرا منذرا، استغلوا أوقاتكم أحسن استغلال مع من تحبونهم حقا، وعيشوا كل ثانية بعناية وتركيز، قفوا عند النكت رغم سخافتها، شاركوا التعابير الجميلة ولا تخجلوا، قبلوا أمهاتكم واحضنوهن وأخبروا آباءكم عن مقدار الحب الذي تبادلونهم إياه، لا بأس ببعض المزاح مع إخوتكم، ولا تنسوا الصديق، وركزوا في أعين الحبيب… إياكم أن تنسوا أن الحب عماد الحياة وأننا من دون الحب -لا شيء-.

1xbet casino siteleri bahis siteleri