توهج تحت نار الحرمان

في الليلة السابعة من ليالي يناير الشبمة، كانت عائلة تقطن في إحدى مساكن قرى بلدة تدعى كرونوبل، مثوى لج الغرام أركانه، ونسجت الصبابة مشابكه حتى أبل خباياه وثغراته بلا مرية ولا ولس. وكحصيلة لهذا الوفاء، خلفت الحليلة صبية عقبها فتي أذن لهما الرحمان أن يترعرعا وسط جو تكسوه المودة والرثاء.

أم تشقى كي يكون المنزل موطنا ناصعا ظاهرا وباطنا؛ فقد كانت ربة بيت محافظة على مبادئها بل ونورت بصيرة أبنائها بما جاء به ديننا الحنيف من قواعد وحكم كي يكونا كما تعودت آذانهما على السمع، خيرة أبناء دينا ودنيا يجعلان كل من عاشرهما يدعو بالرحمة لمن سهر على تربيتهما، وبالرغم من كونها غادرت الدراسة مبكرا إلا أنها كانت متشبعة بدروس مدرسة الحياة، وفي المقابل، حثت على ولوجهما المدرسة وإتمامها حتى آخر نفس، وفي الضفة المقابلة كانت تزين المائدة بما قسم المولى من نعم وتستقبل زوجها وأطفالها بطيب منتشر الشدى فواح وبوجه وضاح المحيا كي يجتمعا على المائدة ويزيلا معا متاعب اليوم.

وفي المقابل، أب يتعب كي يحصل على قوت يومه، فقد كان يستيقظ باكرا كي يصلي صلاة الفجر ثم يتجه بعدها نحو الحقل كي يقطف فواكه طازجة وخضروات يبيعها على طاولته المتواضعة، وما إن يغلب عليه الإرهاق حتى يجد أن العصر قد حان، فيجمع مكسبه ويحمد مولاه على ما رزقه إياه ثم يتجه نحو المسجد من هناك إلى بيته، وهو في طريقه كان لا ينسى أن يأخذ معه قفة فيها ما كتب الله من بركة يضعها أمام باب زوجة أخيه، يعينها على الزمان بعد أن توفي زوجها وهي في عز شبابها، مخلفا حينها وراءه توأمان رضيعان لا يفقهان في مشقات الحياة شيئا، فلم يكن لهم بعد المولى معينا سوى عمهما. وهو بارك الرحمان فيه لم يقصر من جهده قط وها قد أصبحا التوأمان في سن العاشرة ما شاء الله، أجل يا سادة لم ينسَ الأرملة وأبناءها منذ ما يزيد عن تسع سنوات.

أما عن الأبناء، فقد كانت ميساء فتاة تمراحة وفي الآن ذاته قوية الشخصية، صبية تهتز المجالس لحضورها، كانت ذات منطق وتحليل عقلاني، علاوة على أنها لا تعرف للضعف ولا لربوع اليأس طريقا فياما جروح رقعتها بيديها الناعمتين دون أن يسمع زئيرها أحدا، بل وتزينت بما تبقى من خدوش وجعلتها أمارة تذكرها بما تعلمته من حكم بناء على تجاربها الفارطة. عموما فقد كانت استثناء بكل تفاصيلها وبعيدا عن سيرتها الوكيعة، فقد كانت تملك فؤادا أقل ما يوفي بحقه أنه قلب ملاك حديث الولادة، أبيض ناصع كبياض الثلج تذوب أمام دموع يذرفها مخاطب أليم، تردها هي بكلمات رنانة تدق جرس الثقة وتفجر ينبوع الطمأنينة والسكون؛ فقد كانت بمثابة دليل لكل من أضاع مسلكه مزيلة ظلامه وضلاله، موجهة إياه نحو محطات الهدى بكل ما تحمله من أزقة العبادة ودروب التوبة.

أما شهاب، فقد كان فتى يشعرك بالانتماء أينما وجد، رياحه تهب في كل الأماكن وركابه تستريح أينما شاء الرحمان؛ فهو بهذا مهرجا منبسط الأسارير لكل حزين مالت عليه جدران تعاسته، لم يكن ببلاغة وفطنة ميساء لكنه كان يسمو بطيب أخلاقه وصفاء جوهره؛ يزيل خوف الخائف، ينسج الحروف المنهارة، ملم بكل مجالات الحياة، له قلب أخضر انجذبت له كل العصافير فصارت تغرد ألحانها فيه وتأكل من ملذاته دون حساب ولا شح؛ طوبى له، كان لبيبا أجاد الزراعة وتنعم في الحصاد؛ فعلى قبره ستزرع له ما تهوى وتشتهي مهجته، حينها إذن يحصد وهو في قمة الانتشاء. لم يكن مكترثا قط لشهوات الحياة الدنيا، فقد كان مسافرا تاركا وراءه ما يحيي أثره من طيب الأخلاق والنوايا.

مقالات مرتبطة

الدهشة الزائلة

حكايا الطريق

وهكذا توارت الأيام والشهور دون جديد، إلى أن نهك الداء جسد الأب الضئيل، فتاهت العائلة الصغيرة كونه كان عماد المنزل ومعينه، وما إن استوعب الأبناء حقيقة الأمر وواقعيته حتى وافته المنية. تمنوا لو أن الأمر مجرد خدعة بسيطة كي يقهقها كما ألفوا، بيد أن كلمة الرحمان وقضاءه كانا أسمى فطأطأوا رؤوسهم ورحبوا بأمره سبحانه، غير أنه سرعان ما صفعتهم رياح الحقيقة المرة، ما من مكسب عيش ولا جبل دافئ حام من قساوة الزمهرير فاضطر الأبناء أن يخوضا معارك الحياة الشرسة وأن يتعاونا على الزمان.

مرت الأيام والأسابيع، حذر شديد بعد أمان مفرط؛ فراغ قاتل اكتسح أيامهم والقلب المحب ما فتئ ينبض ويحيا بحبه، فقد أضحت ميساء تفتش عن ملامحه في وجوه العابرين، سجينة غدت للحظات عاطفية بما في ذلك ألفة واشتياق حارق حتى صارت تعصر ذاكرتها وتختلس بين أشيائها لعلها تجد عطره أو ترمي بكينونتها جوف جلساته ومواعظه، أتتذكرون قلبها الأبيض؟ لا زال حديث الولادة بيد أنه هاته الكرة في حال توهان يحاول جاهدا فهم ماهية ما يدور حوله وهو كله استفهام والتماس. حالها حال شهاب الذي غدا روحا يعتريها الحزن، لم يعد أي مكان يناسبه فحارت كينونته أين تحط رحالها اغترب وهو يلثم تراب أرضه، أرضه الخضراء ما زالت خضراء بمطرها الممطر النابع من تلك المقلتين التي لم تعرف منهجا للدموع المذروفة قبل حتى صارت أنيسها، زد على ذلك غائمتها التي لم تفارقها منذ الجنازة.

أما الأم فهي أكثر من ذاقت لوعة الحرمان إلا أنها صمدت ونفقت عمرها كي تخيط لهما طريقا مستقيما، أفنت روحها وهي تزرع الألغام في ربوع المنزل. كان كل طرف منهم يطمس جوفه ألمه وضعفه، كانوا يتآكلون والوقت يفتك بهم.

ميساء خانتها أعين كفكفت دموعها، شهاب غرس النصل ثقابه؛ أسهم كان يخبئها لحروب الدهر بيد أنها عادت عليه قبل أن يشدد رحاله، أما ست الحبايب فقد هرولت نحو النسيان فوجدته سرابا ابتعد منها كلما رمقها مسرعة نحوه. فقد كان لكل فرد من أفراد العائلة نصيبا من التعب والخيبة، وهنا كان نصيب ميساء أن تتأكد أن مدينة فؤادها ليس كل من زارها ماكث، ونصيب شهاب أن يجزم أن حنانه وطاقته الإيجابية قوة كفيلة باحتضانه وتشييد خيمته، إلا أنه انشغل بالآخرين وسعادتهم في حين أنهم لم يكونوا سوى ثقلا وحمولة زائدة أتعبت المحرك وأون وقوفه انسحبوا واحدا تلو الآخر، أما عن نصيب الأم فكان أن لكل شيء نفاذ وليس يدوم إلا وجه الله ذو الجلال والإكرام.

أجل يا سادة لقد ذهب ركيزة الموطن مخلفا وراءه بين الثنايا الود والرحمة، مزيلا كل التباس وشك وغيابه كان كفيلا بأن يستيقظ الكل من نومه العميق الدافئ ويتحرر من سذاجته وفدامته، ويبقى الغائبون أحب الورى إلى قلوبنا. فاللهم رحمة تسع السماوات والأرض وهم السابقون ونحن اللاحقون فلطفا وغفرانا.

1xbet casino siteleri bahis siteleri