وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا

621

شغلت معضلة الخير والشر عقول الفلاسفة وعلماء الطبيعة منذ أن وطأت قدم بني آدم على هذه الأرض، فهل الإنسان خيِّر أم شرير بطبعه؟ أم أن الظروف المحيطة به تصيره خيرا أم شريرا؟ أم أن في ذات الإنسان الطبيعتين؟ فكثرت التآليف والتجارب كما التأويلات، ومعالجات روائية وسينمائية مختلف منطلقاتها، وما زال الغموض يكتنف الطبيعتين، ليصل الأمر عند الرؤية الإلحادية إلى نفي وجود الخالق سبحانه وتعالى، “بزعمهم -معترضين- أن وجود الله العليم القدير الخير يتنافر مع وجود الشر في هذا العالم، أي أن وجود الله يقتضي عدم وجود الشر، إذ الشر محض فساد لا خير فيه.

ويبرز وليام رو الفيلسوف الأمريكي بقوله: “إن تناقض وجود الشر ووجود الإله الخير يلزم منه نفي أحدهما، ولما كانت معرفتنا بوجود الشر يقينية لا يمكن نفيها، وجب إذن القول بنفي وجود الله”[1]، وهذا هو منطلق جل الملاحدة في إنكار وجود الله سبحانه، بل ودب هذا الشك في نفوس مجتمعاتنا الإسلامية منذ ما سمي بالربيع العربي سنة 2011، بحيث بدأت موجة جديدة تدعو إلى نفي الإله والدين نظرا لما لحق بأغلبيتنا من القنوط واليأس بعد الأمل في الحرية وعالم جديد آخر، ثم ما تبعه من انتكاسات أخلاقية وإجرامية، وصلت إلى التقتيل الممنهج والتدمير والتهجير القسري هربا من الموت والعنف والدمار، ونشوء فكر تطرفي إرهابي حمل راية الإسلام زورا “داعش”، وما سببه ظلما وعدوانا للناس ثم لحق بالإسلام الإرهاب والشر والظلم، وهو في ذلك براء براءة الذئب من دم يعقوب.

وما يحدث اليوم بغزة ليس ببعيد بل معاش نشاهد الجرائم البشعة عيانا، بدعاوي عدة، تلحق بالنساء والأطفال والشيوخ والأبرياء، وفوق ذلك تدعمها القوى العالمية دوليا وإعلاميا، فقط لأنهم قاوموا الغزاة، كل هذا وأكثر يدعونا للتساؤل؛ ما الحكمة من وجود الشر؟ وهل هناك شر مطلق وخير مطلق؟ أم الأمر نسبي؟

بادي بدء، ما دفعني للتفكير في معضلة الشر والخير في الإنسان؛ تدبر سورة الشمس في قوله سبحانه وتعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس: 7-20]، يسبقها قسم إلهي في ستة مواضع؛ شمس وقمر، ثم نهار وليل، ثم سماء وأرض، تضادات متكاملة متجانسة، لا يمكن لنا أن نفصل إحداها عن أختها، ثم النفس سويت في جوهرها بإلهام رباني؛ الفجور والتقوى، لتكمل السورة بإفراد نموذجين، الخير من أفلح زكى نفسه النبي صالح عليه السلام، والشر قومه ثمود من خاب بدس نفوسهم، فتبادر لذهني أن الإنسان -أيا كان- طبيعته بشكل متساو خيرة وشريرة.

وبناء على ما سبق الآية من قسم؛ أرجح أن الطبيعتين رغم تضادهما هما متكاملتين، فالحياة الدنيا خلقها الله بثنائيات ليعرف الحق من الباطل، ثم نقرأ {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}، فتزكيتها وتدسيتها اختيار بشري صرف، ومما يساعد في ذلك الصحبة والبيئة المحيطة، فلهذا الأوامر النبوية تحث في أكثر من موضع على اختيار الصحبة الصالحة والزوج الصالح (ة)، ممن يعين الإنسان على الطريق. فطريق الحق شاق متعب ومرهق في أحايين كثيرة، فعليك نفس أمارة بالسوء ووسوسة الشيطان، فلا يعقل أن نضيف على ذلك صحبة فاسدة وزوج طالح (ة)، فمهما أصلحت نفسك وزكيتها ستجد من يشدك إلى الدرك الأسفل، العون الإلهي يلزم الأخذ بالأسباب والبيئة كما الصحبة والزوج، وتجربة سجن ستانفورد التي بدأت يوم 14 غشت 1971 وجدت ضالتي في ما قلت آنفا تأكيدا وتثبيتا، إذ كان المقرر أن تستمر أسبوعين لكنها توقفت بعد اليوم السادس بسبب التجاوزات التي لحقت المشاركين في التجربة خاصة من جسدوا دور السجان، وذلك لفهم طبيعة الشر داخل نفس الإنسان، هل هو خير أم شرير؟ أو كلاهما؟ وما الظروف والمسببات التي تجعل من شخص يظهر عليه سمت الصلاح أن يتخذ في ظروف معينة أفعالا شريرة؟  بحيث خلص البحث إلى أن الخير والشر موجودان كلاهما في نفسية الإنسان، فالظروف مساهمة في الخير أو الشر، والعمل البطولي هو رفع الخير رغم الظروف الصعبة.

ويضيف صاحب التجربة فيليب زيمباردو “مواجهة الشر الموجود بيننا واجبة، ومن ثم تجاوزه بالخير الأعظم في قلوب الجميع والعزيمة الشخصية البطولية في كل رجل وكل امرأة، هي ليست مفهوما مجردا ولكن كما يذكرنا الشاعر الروسي والسجين السابق في معسكرات العمل التي صنعها ستالين أليكساندر سولجينتسين “الخط الفاصل بين الخير والشر موجود في قلب كل إنسان”[3]

تدعونا تجربة ستانفورد للتأمل في جرائم الأنظمة الشمولية وعلى رأسها النازية، والتي قامت على ثلاث ركائز نتلمسها في البيروقراطية الإدارية في عصرنا الحالي:

أولا التجزيئ: وذلك جعل العمل الواحد مجزأ في أعمال ثانوية مفتتة، ترفع حرج العامل والموظف وتسلم المسؤولية للآخرين.

ثانيا الترقيم: وهو أخطرها -في نظري-، وذلك بجعل الإنسان مجرد أرقام وملفات، بل وأحيانا وصفهم بالحشرات والحيوانات! فيرفع التكليف والتعامل الإنساني المبني على الرحمة وإيجاد الأعذار للآخرين.

وثالثا الالتزام بالأوامر: بالقول ما أنا إلا عبد مأمور، والتزام الموظف بذلك يخله بالمسؤولية وما يصحبها من عقوبة وجزاء إلى صاحب الأوامر العليا.

فيصبح بذلك الإنسان العادي مجرما فاعلا للشر تحت سلطة النظام الشمولي، وتفسر حنة آرنت اليهودية الألمانية والمنتقدة للصهيونية، ذلك أن السلطة “تعمل على تحويل الطبقات الاجتماعية وصهرها إلى جماهير مجردة لا تعي مهامها ولا مسؤولياتها، وذلك عن طريق بروباغندا في غسل العقل الجمعي الجماهيري وتوجيهه وخداعه، ويسحب النظام معه إلى الحكم أدوات الحركة، كشمولية السيطرة على حياة أفراد الدولة بكل أجزائها وفي كل مجالاتها، عن طريق التلويح بالإرهاب ليسهل سوقهم والسيطرة عليهم، ومن هنا يمكننا الفهم كيف عملت الشموليات على مسخ إنسانها، وتحويله من فاعل إلى كادح فقط، وجعله محصورا بما يحتاج إليه لقوته دونما الحاجة إلى التفكير أو الفعل بوصفه حرا.

ومن هنا خرج توصيف آرنت للشر بوصفه فعلا سياسيّا، وبوصفه فعلا تافها، فهو ليس متجذرا في أصل الإنسان في هذه الحالة، وإنما هو عبارة عن تبعية أدائية لسلطة سياسية أعلى، وتنفيذ للأوامر فحسب دون أي تفكير، فالتفاهة هنا تكمن في استقالة العقل والضمير عن تحمل المسؤولية بوعي حقيقي، لأن سلطة الشمولية تجعل من مرتكب الجرائم -الشر- غير شاعر بفظاعتها أو مأساويتها، وإنما هي أمر تنفيذي لقرارات إدارية لمَن هم أعلم منه وأقدر على اتخاذ القرار، وما عليه سوى الامتثال لأوامرهم”[4]، وقد جعلت بذلك أن منفذي الأوامر مجرد ضحايا وفي الآن ذاته “مسؤولين عما قاموا به، ليس لأنهم لا إنسانيين أو شريرين بطبعهم، بل لأنهم جزء صغير وتافه من ماكنة البيروقراطية الشمولية التي لا تدع لهم أي مجال بأن يحسوا بإنسانيتهم، ومن ثم ينتظر منهم العمل باتجاه ما هو إنساني، وذلك ليس تسويغا لفعلتهم، بل إدانة بصورة أخرى أشمل من اختزالهم بالحادثة وإنما في كينونتهم الإنسانية واستحالتهم إلى كائن لا معنى له”[5]. وبالتالي لا يمكن أن نجرد الإنسان من الفعل ونسلبه الإرادة الحرة، فنجر للإشكالية التالية: هل الظروف تبرر فعل الشر إذن؟ وإن كانت فعلا ما الجدوى من إنزال العقاب على المجرم؟

هذا الطرح نجده عند البعض لتبرير المخالفات والأخطاء بدعوى الواقعية والظروف وغيرها وما أنا إلا عبد مأمور الكلمة السحرية لكل فرد ينفذ فعلا نعده ضارا وشرا، إلى أن الحقيقة التي أراها أن الظروف والأجواء المحيطة رغم صعوبتها ليست مبررا للشر أي كان، مما يذكرني بقصة الإمام أحمد بن حنبل مع سجانه عندما سأله “هل أنا من أعوان الظالمين؟” فأجابه “لا بل أنت من الظالمين أنفسهم إنما أعوان الظالمين من خاط لهم ثوبا أو صنع لهم طعاما”، ليظهر أن الإنسان ليس مجرد ترس في آلة دمى يحركها من هو فوق أو ظرف قاهر، وعالمنا ليس عالم الإلحاد “العالم الذي يفترض الملحد أن الفعل الإلهي كان عليه أن يصنعه؛ هو عالم فقد فيه الإنسان أهم خصيصة، وهي حرية الإرادة، فهو عالم جبري لا يعدو فيه قدر الإنسان ريشة تحركها الرياح أين شاءت وأنى شاءت، مجرد دمية تصنع على مقاس واحد وتتحرك على سكة اتجاه واحد، كل ما فيها فاقد للسلطان الذاتي، حتى مشاعر الفرح والأمل والرجاء ليست إلا انطباعات ميكانيكية على القلب أو الوجه”[6]، وذلكم هو عالم هكسلي في روايته “عالم جديد شجاع”، أناس آليون سحب منهم الشعور والفعل سوى الغريزة الجنسية الصرفة وتنفيذ الأوامر بدون تفكير ولا إنسانية، ولهذا فالإنسان يسعى جهد استطاعته لتزكية نفسه والمجاهدة في الطريق المستقيم والدفع بالخير ونبذ الشر فهو ذو إرادة حرة ولا هو بالعبد أو الآلة.

في عصرنا الحالي شديد الحساسية وتضخم الأنا ووهم الكمال والسيادة على الكون الذي صدرته الفلسفة الغربية للعالم، نظرا للتقدم العلمي والتقني الذي شهده الغرب منذ الثورة الصناعية، جعل من الإنسان يوهم نفسه أنه قادر على السيطرة والهيمنة المطلقة وعدم التسامح مع الآلام والأمراض والكوارث، ثم نجد إعلاء شأن الفردانية على المجتمع وتقدم مصالحه عن الآخرين، ينتج عنه بشكل أو بآخر إنكار وجود الله بكونه يسمح بالشر ولو الطفيف منه؟ الذي يهدد الفردانية والأنا، وإن كان ما حسبه شرا هو خير للمجتمع ككل، فتولد لدينا الإعلاء من حقوق الأقليات لدرجة التقديس لكل فعل قاموا به وأخص بالذكر هنا الشذوذ الجنسي بأنواعه ومبدأ الصهيونية، وإن كان مهددا لدمار حضارة وتهديم قيم الإنسانية، القائمة على التعاطف والخيرية والإيثار قصد المصلحة العامة لا المصلحة الخاصة، مثل ما جاء في حديث السفينة “عن النُّعْمانِ بنِ بَشيرٍ رضي اللَّه عنهما، عن النبيِّ ﷺ قَالَ:  [مَثَلُ القَائِمِ في حُدودِ اللَّه، والْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَومٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سفينةٍ، فصارَ بعضُهم أعلاهَا، وبعضُهم أسفلَها، وكانَ الذينَ في أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الماءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا في نَصيبِنا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا. فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرادُوا هَلكُوا جَمِيعًا، وإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِم نَجَوْا ونَجَوْا جَمِيعًا]”[7].

فإنزال العقوبة على من خرق السفينة هي في نظر الفكر الغربي شر، لكون هذه الفئة ما أرادوا إلا خيرا لهم وهو سقي الماء، وهي نظرة أحادية مغلفة بالفردانية المطلقة وحقوق متوهمة، فما فسر شرا كان خيرا لقوم السفينة كلهم من سعوا في خرقها ومن أقاموا العقوبة عليهم، وانتشار جائحة كورونا في العالم ضرب وهم السيادة والهيمنة الإنسانوية، وجعل الجميع في حجر دام شهورا … فهل نحكم على هذه الجائحة ومعها الكوارث الطبيعية المختلفة آخرها زلزال الحوز بالمغرب؛ شرا أم خيرا؟ أم الأمر نسبي حسب نظرة الآخر للحادث.

مقالات مرتبطة

ومن هنا يمكن القول بل وهو الحق أن الشر والخير متناقضان متكاملان لحكم إلهية نافذة، منها ما سطره المفكرون والعلماء في بواطن كتبهم، ومنها ما نعلمه بديهة ومنها ما لا نعلمه لقصور إدراكنا البشري، إذ يقول ابن القيم في كتابه شفاء العليل في هذا الصدد “الحكمة إنما تتم بخلق المتضادات والمتقابلات… فتوهم تعطيل خلق هذه المتضادات تعطيل لمقتضيات تلك الصفات وأحكامها وآثارها”، فلا يستقيم أن نجزم قطعا أن هناك شر محض وخير محض في الدنيا التي نعيش فيها، فليس هناك شر في الدنيا إلا وهو خير من وجه أو أوجه أخرى، فالمرض مثلا مؤذ للجسد من جهة، ومختبر للصبر وشاحذ للهمة، وربما حتى مقو للمناعة من جهة أخرى…

وهكذا الأمور المكروهة عادة، لا يخلو منها نفع للإنسان، والخير المحض هو الله سبحانه وتعالى فقط، إذ يشير الغزالي “أن الله تعالى لا يخلق أصلا غير الخير ثم ينقلب بعد ذلك شرا بالنسبة للمخلوق لا الخالق فبقية ساحة الربوبية بمعزل عن خلق الشرور وتلبس الإنسان بالشر”[8]، فصفة الشر مقترنة بصفات مخلوقاته، بحيث “يخلق الله سبحانه وتعالى خلقا غير عاقل يفعل الشر، لكنه شر من وجه لا من كل الأوجه؛ فالزلازل والبراكين مثلا هي قوانين فيزيائية بثها الله في الأرض، وهي ليست شرا في ذاتها… فهي من أسباب تهيئة الأرض للعيش، فالآثار السلبية لهذه الظواهر الكونية هي نتاج لهذا المخلوق في ظروف معينة غير دائمة”[9].

وهذا ما يحيلنا لزلزال الحوز بالمغرب فرغم ما حدث من مآسٍ، نتج عنها لدى المجتمع المغربي خير كثير من تآزر وتلاحم فيما بينهم، وإلقاء الضوء لمعاناة منطقة تناسيناها، ثم تعلم من أهل المنطقة التسليم بقدر الله وقضائه والحمد لله عند المصاب والكرم والجود رغم القلة والكارثة، ومن الظواهر الطبيعية الخيرة التي نتج عنها الزلزال هو تفجر الينابيع والوديان في مناطق عانت كثيرا من الجفاف لأعوام متتالية، وقد يحدث للإنسان أن تتلاحق عليه المصائب والأزمات من كل حدب وصوب لحكمة الابتلاء التي سنفصل في حينه، ولحكم أخرى خفية أوردها الإمام الشافعي رحمه الله في بينتين شعريين شهيرين يقول فيهما:

وَلَرُبَّ نـازِلَـةٍ يَـضـيـقُ لَها الفَتى    ***   ذَرعاً وَعِندَ اللَهِ مِنها المَخرَجُ
ضاقَت فَلَمّا اِستَحكَمَت حَلَقاتُها   ***    فُرِجَت وَكُنتُ أَظُنُّها لا تُفرَجُ

وفي قول الله سبحانه وتعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216]، فمن تجليات حكم تناوب الخير والشر هما نسبيتهما، فلا ندري في كل حادث هل هو شر أم خير على المدى البعيد، ولنا جميعا تجارب في ظاهرها حسبناه شرا وبعد حين كان الخير كله، وأخرى حسبناه خيرا فكان شرا على المدى البعيد. كما يرى ابن القيم أن وجود المعاناة والشر قد يؤدي بشكل غير مباشر إلى إصلاح المجتمع وإعداده لخير تال.

أما الحكمة الثانية لوجود الشر تمثل الإرادة الحرة للإنسان، فقد سبق الذكر أن الله سبحانه وتعالى جعل في النفوس البشرية الفجور والتقوى بشكل متساو، وترك لنا الخيار في تزكيتها ورقيها أو في تدنيسها وانحدارها، فهذه الإرادة لفعل الخير أو الشر ضمن حدود القدرة الإنسانية التي أنشأها الله سبحانه في البشر، وهذا من كمال عدله فلا نقتاد كالجماد ولا نحن مجبولون على فعل الخير المحض كالملائكة غير الحرة. إذ يشير الفيلسوف الأمريكي ألفن بلنتنجا “الشر ضريبة لازمة ومنطقية ومرضية لنعمة الإرادة الحرة، وبذلك ينتقض الاعتراض على عدل الله أنه يسمح للشر بالوجود، إنه لا معنى عقلا وواقعا أن نتحدث عن كائن حر يملك إرادة الاختيار ضمن الطبيعة البشرية المحة، ثم هو لا يفعل إلا الخير”.

فالقدرة على الاختيار في فعل الشر والخير منحة إلهية لبني الإنسان، وهذا ما لا يعقله الواهمون متسائلين؛ لما يسمح الله بالشرور وما ارتكبه الإنسان؟ كأنهم يعترضون على الهبة الإلهية للإنسان الإرادة الحرة، التي جعلته مميزا عن باقي المخلوقات في الكون. في المقابل يرفعونها وينددونا بها في كل حين “الحرية” لفعل أمور شاذة وتهدد الحضارة البشرية اعتراضا على الله ونفيا لوجوده؛ الأنا العليا الأهم في هذا الكون، ويقول الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}. فالشرور والمصائب المسماة الشر الأخلاقي من حروب وجرائم مختلفة، هي نتاج فعل الناس بفعل إرادتهم، تلك الإرادة التي لا تجعلنا آلات ودمى يتحكم بنا، إما داخل أنظمة شمولية أو قمع مجتمعي ومحاولة السيطرة عليه، ومن مهالك الأمم والحضارات المستقاة في التاريخ البشري والقرآن الكريم، سلب الحرية وفرض العبودية بأشكالها المختلفة.

وتتمثل الحكمة الثالثة في مبدأ الابتلاء والفتنة، وذلك أن الحياة الدنيا هي مكمن اختبار لبني آدم، وعليه هبط آدم وزوجه إلى الأرض بعدما تمرس وتعلم القوانين الأساسية للعيش في هذه الحياة. بداية أسماء الأشياء ثم ما أسميه دائرة الذنب والاستغفار والتحكم في شهوات النفس، مصداقا لقوله سبحانه وتعالى: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ (36)} [البقرة: 35-36]، وقد أوردت كلمة الفتنة ومشتقاتها ستون مرة في القرآن الكريم، أما كلمة الابتلاء ومشتقاتها فقد أوردت سبع وثلاثين مرة، وذلك لأهمية الأمر والعواقب المرجوة منها تحذيرا وإنذارا وتأكيدا إلهيا لهما لبني آدم.

فالإرادة الحرة التي سبق ذكرها ونفس وما سواها من فجور وتقوى، كل هذا وأكثر مما نعيشه ونتفاعل معه بين نفوسنا المختلف طبائعها والآفاق من جماد وحيوان ونبات وغير ذلك، ما هو إلا امتحان إلهي للإنسان كما جاء عل سبيل المثال لا الحصر في بداية سورة العنكبوت التي أقف أمامها طويلا متأملا متدبرا، متخوفا من غضب الله واستدراجه متأملا في رحمته التي وسعت كل شيء وهدايته، قال الله سبحانه وتعالى: {الٓمٓ (1) أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ (2) وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَٰذِبِينَ(3)} [العنكبوت: 1-3] فالإيمان وحده غير كاف للنجاة فيحتاج إلى اختبار لمعرفة هل صدقوا في دعواهم أم كذبوا، هل هو قول فصل ذو عهد وميثاق أم مجرد أقاويل وأحاديث يطلقها اللسان على عواهنه. مثل الأستاذ فهو لا يكتفي بقول تلاميذته فهمنا ووعينا الدرس فيحتاج إلى تمرين واختبار ليقيس قولهم، مع فارق التشبيه طبعا.

والابتلاء والفتنة لا تكون لما نحسبه شرا فقط بل لما نحسبه خيرا أيضا، فكما يمتحن الفقير بفقره يمتحنه الغني بغناه، وكما يمتحن قوم بالحرب يمتحن من سواهم بالسلم، الشدة والرفاه… الكراهة والمحبة كلاهما اختبار وامتحان للعبد، هل يؤمن أم يكفر؟ يقول الله سبحانه وتعالى: {فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19]. ونجد الابتلاء نعمة من ذلك قوله تعالى: {وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا} [الأنفال: 18] البلاء ها هنا النعمة، كي يُنْعِمَ على المؤمنين بالله ورسوله بالظفر بأعدائهم، ويُغْنِمَهم ما معهم، ويكتب لهم أجور أعمالهم وجهادهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد نجد كلمة البلاء تعني نعمة وضررا وكراهة ومحبة، فهاهنا يتظافر الشر والخير ولا يعلم من الأصلح لنا، كما يمتحننا الله في ذلك ليرفع عنا ضررا أعظم في الدنيا والآخرة، وما نعيشه اليوم في غزة خير مثال على ذلك. يمتحنهم الله بقتال هو كراهة بنص القرآن، والموت يحومهم من كل جانب لكنهم يا سبحان الله راضين محتسبين مسرورين فرحين ومستبشرين، قلوبهم مطمئنة ومستسلمة لخالقها، يجعلون من موت الشهداء عرسا وحياة وليس موتا وعدما، فكانوا بصمودهم ورضاهم درسا لنا وللعالمين، والخير كله في فضح شر العدو الصهيوني وانفتاح شباب الغرب خاصة على الإسلام بل وبعض أعلن إسلامه، فالخير والشر بين يدي الله سيان، ونحن هنا نختبر ونجاهد على أن نرضى بقدره وفعل الخير، وأن لا نكون كما وصفهم الله في كتابه: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج: 11].

وفي الختام، أبين أن الإنسان طبيعته خيرة وشريرة، وإن كانت الفطرة التي فطره الله عليها تعينه على الخير، فهناك نفس ووسوسة شيطان تدفعه للشر، وهذا هو محك الاختبار، فعليه بإرادته الحرة التي أنعمه الله عليه، أن يختار تزكية فأفلح وأصاب الحق والخير، أو تدسية فأخاب وانحدر للباطل والشر، وأن يتعامل مع محيطه بحكمة بأن لا ينقاد قياد البهيمة والآلة، بل بتعقل وتفكر وتبدر في الأمر وطلبا للهداية من الرحمان، وأن يعلم أن ما في هذه الدنيا ما هو إلا خير له ولعاقبته الأخروية. ولهذا كيف يمكن أن نفسر الأمر النبوي مع قيام الساعة ونهاية الكون بما فيه أن يطلب منا “وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها”، فالأمر ليس بهدف تحقيق نتيجة دنيوية بل بالفعل نيته صالحة أم طالحة… خيرة أم شريرة، أم النتائج فهي لله سبحانه، ثم أن ما نحسبه شرا لنا أو خيرا لنا لا نعلم ذلك حصرا فالحكمة في تدبير الأمور لله وحده، ففي أحايين كثيرة نرجو ونتمنى وقع خير قريب لنا فيكون من تدبير الله وعدله أن يقع لشخص آخر، ويؤخر لنا في أجله المحتوم، وما ننهي به مقالنا هذا الذي حاولت أن أبين معضلة الخير والشر في الحياة الدنيا قول الله سبحانه وتعالى في آخر سورة العنكبوت {وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} [العنكبوت: 69]. فاللهم اجعلنا من المحسنين الذين يجاهدون في الله والمهتدين لسبله الحقة.

والله أعلم وأحكم

كما أحيلكم لكتابين: الأول؛ “شفاء العليل في القضاء والقدر” للإمام ابن القيم، وكتاب “مشكلة الشر ووجود الله” لد.سامي عامري، لمن أراد التوسع والفهم العميق لمفهومي الشر والخير ومراد الله في ذلك.

——————-

[1] عامري سامي، مشكلة الشر ووجود الله، ص 109 -110
[3] للاستزادة وتفصيل أحداث التجربة ونتائجها ينصح الاطلاع على كتاب “تأثير الشيطان” لفليب زيمباردو
[4] انظر، كمال إسلام، مقال “تفاهة الشر كيف تحول النظم الفاشية العاديين إلى أشرار؟” موقع الجزيرة ميدان، نشر 22/09/2020، نظر يوم 19/12/2023
[5] نفسه بتصرف
[6] عامري سامي، مشكلة الشر ووجود الله، ص 207-208
[7] رواه البخاري في صحيحه
[8]  انظر “الشر في أفعال الله تعالى”، بلال إسماعيل ابراهيم
[9] مشكلة الشر ووجود الله، سامي عامري، ص 103

1xbet casino siteleri bahis siteleri