الموت في زمن الوباء…حديث ذو شجون

لا نموت حين يأتينا الوباء وينالُ منا المَرض، لا نموت عندما تُفارقنا الروح، بل نموت حيث يموت فينا الإحساس والضمير، حين يموت الإنسان بداخلنا. نموت حينما نتوقف عن التعلّم والتحصيل، حينما نتوقف عن التغيُّر وعن المُضيّ قُدُماً، نموت عندما تتوقف أرواحنا عن النطق باسم من نحب، حينما يتوقف قلبُنا عن النبض من أجلهم، حينما نُشاهد وَجْهَهم في كل الوجوه، عِندما نُشاهد كل الوجوه عداهم، وحتى عندما نوشِح النظر عنهم وننظر لمن سِواهم.

نموت حينما نعيش حياةً ليست لنا، حينما نضطر لأن نكون أشخاصا لا نُشبِههم ولا يُشبِهوننا، نموت حينما نكون في غُربةٍ ونحن في أوطاننا، حينما نشعر بالغُربة ونحن محاطون بالأشخاص، نموت عندما نموت، ونُنسى وكأننا لم نكن يوما أحياء، نموت عندما نسير بلا هدف، بلا وجهة، عندما تضيق علينا الطرق وتلتبس علينا الممرّات، فنضيع بين الماضي والحاضر، بين الذي كان والذي يكون، والذي أبداً لن يكون.

نموت عندما نكون نُسخة واحدة في أجساد متعددة، عندما نسير وفق ما تُمليه علينا الجماعة، عِندما يُقرّرون أسماءنا ومصيرنا قبل أن نولد حتّى. نموت عندما نُجبَر على الضحك وعلى المُزاح ونحن نغرق في الألم، حينما لا نبتسم، وحينما نتمسّك بشيء غير موجود. نموت حينما يتوقف صوتُنا الداخلي عن توجيهِنا، حينما يتوقف عن الصُّياح، عن البكاء قبل أن نحزَن، وعن الفرح قبل أن تأتينا الأخبار السارّة. نموت حينما يموت أقارِبُنا الذين تعلّقنا بِهم أيّما تعلّق، حينما تلتبس علينا الحقيقة بِالوهم، حينما يضيع الصواب وسط الخطأ، حينما يتيه الحلال في الحرام.

مقالات مرتبطة

نموت حينما لا نُفكّر، حينما لا نتساءل، وحين يمنعون حقّنا في التفكير والسؤال والكلام، نموت حينما نتكلّم دون معرفة، حينما نُفسِد المعرفة بالكلام، وحينما يطالُنا الغُرور والغطرسة، نموت حينما نَجرح أحباءنا، حينما نُوثر المكر والخُبث على أن نكون أخيارا، حينما نُهين أنفسنا باختيار أسهل الطّرق لا أصعبها.

نموت حينما لا نتقدّم، حينما لا نتأمّل ولا نحلُم، حينما لا نتعلّم من أخطائنا السابقة، نموت حينما نجري وراء المال، ظنّا منا أنه غاية في حد ذاته وسبيل نحو تحقيق السعادة. نموت حينما نحبِس في داخلنا كل الحكايات التي لم تُروَ. حينما نرى بأعيننا، حينما نسمع بآذاننا، حينما نتكلّم بأفواهِنا ونكتب بأقلامِنا، وأبدا لا نفعل ذلك بِقلوبِنا. نموت حينما لا ننبِش في الذاكرة، حينما نوصِد أبواب الحنين والأشواق. نموت حينما نجِد صديقا في العدوّ، ونجد عدوا في كل صديق، حينما يطعنُنا أقرب الناس إلينا، ويموتون أكثر حينما يظُنّون أننا لم نكن نعلم بأنهم يكيدون لنا شرّا منذ البداية.

نموت حينما نظن بأننا أحياء منذ البداية ونعتقد بأننا نموت عندما تنقطع أنفاسُنا، حينما نوثر الحياة بدون حياة، على أن نحيا كل الحياة في الموت…هكذا فِعلا نموت، هكذا تقتُلُنا الحياة. وأبدا لا يُمكن للوباء أن يفعل فينا ما تفعلُه الحياة…الحياة بدون حياة.

1xbet casino siteleri bahis siteleri