من كل زاوية!

لا تقلق حيال أمر أردت تحقيقه ولم يتحقق، لا تقل إنك عديم الحظ، لا تقل إنك إنسان فاشل. الفاشل الحقيقي من لا يحاول، رافضا أن ينير بصيرته بأنوار الإيمان والعلم. كن على ثقة أن تحقق أمر ما في زمان معلوم هو مكتوب ومقدر من رب العالمين، ومن ثم، تأكد أن مشيئته التي تغلب مشيئتك هي الأمر الحاكم الأول والأخير.

كل واحد منا، أراد تحقيق أشياء كثيرة، أراد أن يدرس مجالا ما، أراد أن يعمل في شركة ما، أراد الزواج بشخص ما، أردنا وأدرنا وتأسفنا وحزنا على ما لم يتحقق، كثيرا من علقنا آمالا عريضة لا قِبَلَ لنا بها.

عاينت لمرات عديدة وألقيت على مسمع مني قصص الكثيرين، فمثلا من كان توَّاقاً للعمل بشركة ما، خاصة إن كان من الشباب فبعد تخرجهم تكون لهفتهم للعمل والتجربة كبيرة لحد أن يقبلوا أحياناً بعمل غير لائق بهم. وما إن ينظموا حتى يصدموا من سوء المعاملة والانحراف الذي يدعون إليه بطريقة أو بأخرى، وإن أبيت عن ذلك تكون قد أعلنت الحرب عن نفسك لتستقبل فيما بعد السفاهة والبلاهة التي أرغمت عليها وعلى تحملها، بسبب حبك وتعلقك بذلك العمل ورضيت بالذل وانحطاط الكرامة في سبيله. ومن هذه الزاوية الأولى، أقول لك لو انسحبت لأدركت أن السعادة والراحة كثيراً ما تكون في التخلي لا في الامتلاك. هذا الكلام أذكر به نفسي كذلك بين حين وآخر.

هذا نداء، لكل شخص لا يسره عمله، ولا يعجبه لأنه بطبيعة الحال كان يتمنى أشياء موجودة في مخيلته بالأمس واليوم أزاح الحجاب عما كان مغطى بمقولات (سيتقبلونني ويتعرفوا علي، أنا لم أقابلهم بسوء فلم يقابلوني به؟ سأعمل وأجتهد وبعد أول نجاح لي في عملي سأحبه وأستمتع به…) ذلك لأنك لست لائقا بهذا العمل، لعلك لست شخصا تمكنه طاقته أن يعمل في الشركات مثلا. طاقتنا ليست متشابهة، لكل منا طاقته الخاصة به ولسنا مجبرين ولا يجب أن نكون نسخة طبق الأصل لشخص آخر. ربما الطاقة الخاصة بك تحمل في طياتها خاصيات نادرة كسهولة الإلقاء والتفسير، وانسجام الأفكار، وقدرتك على التوضيح تجعل منك أستاذا رائعا. ما أدراك؟ ربما هذه فرصتك لتنير بها روحك وروح الأجيال القادمة.

رضاك بما لا يليق بك، يعد بمثابة انحطاط للنفس والكرامة، ومما لا شك فيه أنك لن تقبل العيش من دون كرامة كما ذكرت سابقا. إذن انسحب فوراً من أي مكان وعن أي شخص، عن كل توجه يحط من قيمتك كإنسان حتى وإن كنت شديد التعلق به، أعلم أنه ليس بالأمر الهين، لكن باعتقادي ومتأكدة أنكم توافقونني الرأي على أن الإنسان يستمر كل يوم بشتى الطرق للحفاظ على كرامته مدى الحياة، حتى إن كان على فراش الموت لن يرضى أن تتوفاه المنية في وضع غير لائق من دون كرامة.

عليك أن تعي أن الإنسان مسموح له، بل ويجب عليه أن يعيش كل يوم بمختلف أحداثه ووقائعه ليكتشف ذاته، لا أن يجلدها لاقترافها الأخطاء. اعمل على الاكتشاف، فالتجربة خير وسيلة تقودك نحو التنوير واكتشاف ذاتك أولا. والسر نحو بلوغهما أن تسير عازما ودائما بقلب محب ونقي نحو أحلامك، فالطريق طويل وليس بالهين لكن حب التعلم، الاكتشاف، الانفتاح وتكوين الشخصية القوية والمرنة سلاحك لبناء المستقبل. مستقبلا صعبا حاملا قلبا يملؤه السلام الداخلي والكثير من الصبر. لذلك لا أريد أن أعيد التعريف الكلاسيكي للسعادة التي تتجلى فيما لديك وما تملكه الآن، صدقني، إن عمدت إلى التخلي يوما ستنعم بطعم السعادة منقطع النظير.

من زاوية ثانية، يجدر بي إذن في كل مرة أن أذكر وأرفع أكثر وأكثر من مقام كل شخص يأخذ بيدك نحو التعلم، نحو القتال، النضج، ترتيب حياتك، نحو غد أفضل. ذلك وأن زمن الرفاق وزمن الأخوة أضحى اليوم مدعاة للسخرية وعنوانا للنسيان، بالأمس وفي زمن لم أعهده، أخبرتني عائلتي وفي مقدمتهم جدتي عما كانت تشمل كلمة الأخوة والرفقة من دلالات ومعانٍ، كانت تتجسد في الصحبة خصائص الأخوة بدرجة أولى ومن أسمى معانيها، لما يطبعها من احترام وصدق، وتآزر، وإخلاص، والتحفيز، والنصح، والحب من دون أدنى مقابل.

اليوم ما شهدته من عهدي هذا، لا يسعني أن أقول إنها لا توجد. بل توجد وعن تجربة وأحمد الله عز وجل لتلطفه على بنعمة كهذه وإلا ما أرى نفسي لائقة بكل هذا اللطف. هذه الرفقة توجد لكن بنسبة ضئيلة أو أشبه ما يكون بنادرة، إن فعلا أحسنت الاختيار ورسمت لنفسك معايير حقيقية تعتمد عليها ليس من ورائها حُجُب وإلا عليك تهيئة نفسك للخيبات والنكسات في قادم من الأيام. ولا أخفيكم سرا أني كنت متحفظة جداً في مسألة التحدث عن هذا الموضوع لأي شخص كان، إذ إنه كلما أخذني الحديث عن الصداقة بالذات، كنت دوما ما أحكم على نفسي وأسمح باستقبال الكلمات المستهزئة والترهات ما يكفيني لسد حاجيات الحزن لدي. فأين نحن من قيم كهاته؟ “و الله العظيم إلى راك قديمة، واش حنا فالسبعينات”

اليوم لم أعد أكترث، كان يلزمني أن أنضج لفهم هذه النعمة أكثر واستيعابها. الصداقة اليوم موجودة لكن ليس بنفس النسبة كالأمس، يلزمها في نظري الكثير من الضبط أولا أي وضع النقط على الحروف منذ الدقيقة الأولى وهذا لم أستخلصه من هوى نفسي، بل عشته بكل تفصيلة فيه. أذكر جيدا كيف كان اللقاء الأول بصديقتي، كان غريبا جدا، ليس كباقي اللقاءات والحوارات الكلاسيكية، لم أكن أعرف ما اسمها وهي كذلك وكل واحدة منا ترى الأخرى على أنها صارمة وجدية نوعا ما. ومنذ ذلك الحين علاقتنا رأت النور، مضى عليها الآن سبع سنوات، والشغف ما يزال نفسه.

كثيراً ما نسأل عن سر الاستمرار وهو بكل بساطة الاحترام، والوضوح، والصراحة، وتقبل الآخر كما هو دون محاولة تغييره والصبر طبعا. هذه أبرز الأسرار للمضي قدما نحو علاقة أخوة وصداقة متينة وحقيقية وينبغي للطرفين العمل على هذه المفاتيح أو الأسرار لدوام هذه الرابطة. وبطبيعة الحال، كل صديق يعينك على المضي قدما ويذكرك بواجباتك قبل حقوقك نحو نفسك والآخرين، أولهم الوالدان والعائلة، هذا هو الصديق الحقيقي الذي أبشرك به وصلاح أمورك وتقدمك برفقته أمر حتمي.

1xbet casino siteleri bahis siteleri