آراؤنا: بين الصواب والرعونة

171

كثيرا ما نسمع “حرية الرأي” تترد في مختلف المنابر الإعلامية ولدى عامة الناس على نطاق واسع. ذلك أنها تشكل معيارا يتم من خلاله الحكم على ديمقراطية الدول ونزاهتها، كما أنها كانت ولا زالت تشكل سيفا ذا حدين في يد الإنسان إما أن يطوره ويساهم في تقدمه وإما أن يرده إلى أسفل السافلين.

عندما نتحدث عن حرية الرأي نتحدث عن رأي تم اعتناقه على أساس قوي متين لا تشوبه شائبة وهنا أتحدث عن العقل. فعند إصدار رأي حول موضوع معين يتعين على العقل استحضار مختلف المعلومات المتوفرة حول هذا الموضوع ثم تستنبط منها أفكار أساسية يتم تنقيحها كلما تَعَمَّقْتَ أكثر في خبايا الموضوع وفي الأخير تصدر رأيك الخاص بعيدا عن آراء الآخرين. قد يتغير هذا الرأي مع تطور ثقافتك فثقافتك تتغير حتى مماتك إما تتطور أو تتراجع. لكن وبالرغم من تغييره -الرأي- سيبقى نبيلا دائما مستمدا هذا النبل من الخصوصية التي يحظى بها وهذا ما أصبحنا نفتقده بشكل جلي في زمننا هذا.

حيث إن آراءنا ليست خاصة بنا بل هي انعكاس فقط للرأي العام. والأمَرُّ من ذلك أنها أصبحت أشبه باستنساخ لرأي آخر يساهم في مسخ فكرك وعقلك. أصبح الإنسان يلجأ للتقليد الأعمى حاسبا نفسه صانعا للخير بنفسه أو مدعيا أنه لا وقت له لإدراك ما حوله.

أصبحنا نعيش ونتعايش ونُعَايِشُ أفكارا وآراء، وكلام سفهاء أحلام لا تمت للعقل بصلة. صحيح أن الرأي يجب أن يكون حرا لكن شرط هذه الحرية هو نبل وسداد هذا الرأي وإلا فستكون هنالك أضرار عدة وفوائد معدودة على رؤوس الأصابع. لطالما شاهدنا من الحماقات ما يسيء لنبل العقل وسموه وقلما نشاهد ما نعتز به من أفكار متبصرة سديدة قويمة. ساد التقليد الأعمى على الأغلبية وأصبح التدبر والتفكر منحصرا لدى الأقلية.

زاد الجاهل جهلا وقل العلم وكثرت أضغاث المعرفة. انتهى زمن المثقف والعالم المتمسك بالبصيرة النيرة وبدأ مجددا زمن انتشار الرويبضة. تحللت الثقافة كتحلل الجثث في التربة وساد الجهل وكثرت العامية. أصبح الجاهل عالما يضرب له حساب وعاد العالم كالجاهل عبارة عن السراب. يكفي أن يكون فمك فواحا بتعابير لينة تدغدغ العامة وستكون في نظرهم أشبه بالعلامة. يكفي أن تمتلك أفكارا متناثرة وتصبح في نظر الكل إنسانا ذي عقلية رائعة. يكفي أن تعطي براهين لا وجود لها ثم تصبح ترهاتك براهين يحتذى بها. يكفي أن تجالس شخصا له أفكار معدودة ثم تحسب نفسك إنسانا له أفكار متكاملة. يكفي أن تدغدغ العموم بآيات قرآنية وستصبح أنت بنفسك كالآية المسطورة.

قد يبدو لك الآن أن هذه مجرد سطور واهية لكنها بالنسبة لي مرآة لما أراه الآن. قد تراها مجرد ترهات لكنها حقائق ألامسها منذ زمن. قد تراها مجرد كتابة عديمة لكنها في الأصل حقيقة. قد تراها مجرد أفكار سوداوية لكنها كالبوابة التي تحيلك على الأحداث المستقبلية. هذه ليست فقط مجرد أفكار متناثرة لكنها أفكار عديدة كثيرة، كل فكرة تراها يوميا إما في الواقع أو في وسائل التواصل. هذه حقائق لها أسباب عدة وعوامل كثيرة وستكون لها بشكل أكيد عواقب وخيمة ستجهز على مستقبل العالم العربي وستزيد الطينة بلة مدمرة إياه أكثر مما دمر حاليا.

لن أخوض في المسائل الدينية الفكرية لأنها ترسبات لعدة كوارث عقلية. فإذا أردنا أن نتحدث في الدين أو المعتقد فستلزمنا عدة صفحات لعلها تشفي الغليل أتحدث هنا عما أراه من كوارث وآراء وأفكار يندب لها الجبين. أتحدث عن خلط كبير وقع بين الدين والسياسة والعلم والتجارة، فأصبح الدين أداة سياسية ومشروعا تجاريا مدرا لأرباح وأموال طائلة وخلق بذلك صراع الدين والعلم، والسياسة والعلم.

كما سبق وقلت في المقدمة عن حرية الرأي فهي تعتبر سيفا ذا حدين. غير أننا نحن العرب اختزلناها في الجناب السلبي وأصبحت كسيف الحروب، فعوض استعمالها استعمالا يليق بها أصبح استعمالنا يسيء لها، اختزلنا مفهومها في أكاذيب وأقوايل جياشة فذاب جوهرها وهلك هيكلها وتفتت مقاصدها.

1xbet casino siteleri bahis siteleri