الفلسفة والأطفال: هل هي ضرورة حتمية؟

400

في كل بلد عربي، تعتبر الفلسفة واحدة من أغرب الموضوعات التي يصعب تبسيطها للأطفال. في بلدي، لا نملك فهما عميقا للفلسفة في مختلف أقسامها الفكرية والمجتمعية. من الطبيعي أن تتدهور الفلسفة إلى مستوى الفلسفة السياسية والشؤون الجارية في ظل غياب بنية تحتية. لكن فلاسفة الغرب ينظرون إلى الأمر بشكل مختلف. كانت جهود الفلاسفة الأنجلوساكسونيين الرائدين في القرن العشرين واسعة النطاق في مجموعة واسعة من المجالات، من أهمها “فلسفة الأطفال”. يعلق البروفيسور ماثيو ليبمان، مؤسس فلسفة الأطفال، على أهمية هذا الفرع من الفلسفة: “ما يسمى بفلسفة الأطفال هو محاولة لتطوير الفلسفة بهدف استخدامها كنوع من التربية والتعليم. إنها فلسفة تربي الأطفال لمحاولة الاستجابة للاحتياجات والرغبات التي تعني أنها مفيدة.”

قدم ليبمان أدلة كثيرة على أن للطفل قدرة على النقاش الفلسفي، وانطلاقا من تجربتي مع أخي الصغير، يمكن أن أدعم هذه النظرية بشكل فعلي؛ إذ إن أحد العوامل الرئيسية التي قادت البروفيسور ليبمان إلى إنشاء هذا الفرع الجديد من الفلسفة، منذ حوالي نصف قرن، هو اللقاء مع الطلاب الذين يفتقرون إلى قوة العقل الحكيمة، وقد فات الأوان لتقوية تفكيرهم بشكل كبير القوة. كان يجب أن يتم ذلك في فترة الطفولة، التي يجب أن يأخذ فيها الأطفال سلسلة من فصول التفكير النقدي في الحادية عشرة أو الثانية عشرة من العمر.

تعتبر قضية الفلسفة ذات أهمية كبيرة للأطفال في مجتمعنا وبين باحثينا، وهي علامة على تخلفنا في مجال البحث وعدم الدخول في فروع جديدة للفلسفة وحتى العلوم الأخرى، بل وعدم وجودها في مجتمعنا نفسه. هناك الكثير من النقاشات المتضاربة وهي أحد الأسباب الرئيسة التي تجعل وضع الفلسفة في بلدنا اليوم كارثيًا للغاية. تشمل مكانة الفلسفة في التعليم تدريس الأفكار الفلسفية البحتة، وتاريخ حياة الفلاسفة، مع عدم الاهتمام بمفاهيمهم الفلسفية الخالصة، فبالإضافة إلى تدريس الفلسفة وممارستها باعتبارها الطريقة الأساسية لتعزيز النقد وتعميمه في الحياة اليومية، باعتماد وظائف العقل الفلسفي في تحليل الشؤون من حولنا، قد يكون أحد أهداف الفلسفة للأطفال هو تعريفهم بالفلسفة وتأهيلهم ليصبحوا فلاسفة المستقبل.

كلما زاد ارتباط الأطفال بالفلسفة، زاد ازدهارهم في التحليل والتفكير النقدي والإنتاج، وسيكون انعكاسه في المستقبل واضحًا في جميع مجالات الحياة، سواء في الشؤون الإنسانية الفردية أو في الشؤون الجماعية، أو داخل المجتمع باعتباره مهد الحضارة؛ إذ لا يمكن الحديث عن النمو المجتمعي إلا إذا تلقى المجتمع مثل هذا التعليم في مرحلة الطفولة لاكتساب فهم عميق للمفاهيم الفلسفية. ليس ذلك لأن الفلسفة والسمات الإيديولوجية الفلسفية، وكذلك المعتقدات الاجتماعية، أصبحت أداة لاكتساب القوة واستغلال الفكر لإشباع رغبات الفرد المتواضعة.

مقالات مرتبطة

ماذا عن مجتمعنا؟ في مجتمع يكون فيه معدل القراءة كارثيًا، يمكن للمرء أن يخمن مدى ضآلة وعدم وجود رغبة في قراءة الكتب الفلسفية، أو حتى غيرها، وهو ما يؤكد على أننا أمة شفهية، وليس لدينا اهتمام كبير بالقراءة والكتابة. وإذا انتبهنا، نكتب خطابات أقل ونادراً ما نكتب أفكارنا وآراءنا؛ لكننا في المقابل، نهتم أكثر بسماع القصص الشفوية، نستقبل ولا ننتج. لكن، هناك أشخاص، على الرغم من قلة عددهم، تشكل القراءة أولويتهم، ويعتبر معظهم من عشاق الكتب، كان بإمكانهم شراء الكتاب، وكانوا كتابا مشهورين أيضا.

فكيف يمكن تعزيز مكانة الهيكلة في نظام التعليم المفلس في بلد حيث مفهوم “البناء”، وهو رمز المشاركة والتعايش، لا يتم تدريسه في مرحلة الطفولة؟ جعلنا ذلك ضروريًا، لكن ما نراه كثيرًا هو الدمار. من حيث العلوم الإنسانية، نحن في “قرية” بها مرافق أساسية، لا شك أن ماضينا كان مثمرًا للغاية من حيث التفكير والتمرد (الحركة الغيوانية مثلا هي حركة ثقافية لن تنسى لكنها طمست للأسف)، وإذا كنا لا نزال نكافح، فذلك بسبب تراثنا الثقافي، وليس غذاء الأفكار المستوردة، ولكن يجب علينا أن نعلم أن التحرك هو طريق يؤدي إلى قاع واد رهيب ويجب علينا أن نستعد له، خطوة واحدة هي الغنائم نفسها.

أتمنى أن تفهم سلطاتنا الثقافية أنها ستستخدم أفكار الفلاسفة البنائين مثل البروفيسور ماثيو ليبمان للتطور، وأن هذا لن يشكل عائقا بل ازدهارا. ففي رأيه، أي طفل قادر عقليًا على استخدام اللغة والتعلم والنمو، فهو قادر على الانخراط في نوع من الخطاب والمناقشة الفلسفية. تبدأ الفلسفة عندما يمكننا مناقشة اللغة التي نتحدث بها عن العالم، والأطفال من هذا النوع، يتساءلون دائما عن اللغة ويسألون دائما عن معاني الكلمات الغريبة المألوفة أيضا، لذا، فالهدف ليس تحويل الأطفال إلى فلاسفة صغار، ولكن مساعدتهم على التفكير بشكل أفضل من ذي قبل؛ إذ كلما أصبح الأطفال بارعين في الاستماع والتحدث، زادت سرعة تعرّفهم على الفلسفة المعتمدة على أساليب العمل العقلي والتفكير والاستدلال والحكم والفهم.

ما نحتاجه بشكل عاجل هو التعايش السلمي في البناء من حولنا، ويمكننا البدء بتعليم الأطفال التفكير وضخ هذه المهارة تدريجياً في المجتمع بأسره. وينبغي الإشارة إلى أن الضعف الفكري للكبار في المجتمعات لدينا لا يشكل عائقا أمام تعليم الفلسفة للأطفال، على سبيل المثال، عندما تم إنشاء المدارس في المغرب، كان كبار السن أميين، لكن الأصغر منهم ذهبوا إلى المدرسة. بناء على هذا، سيصبح المجتمع بأكمله متعلمًا تدريجيًا مستقبلا، خاصة أن نسبة ساحقة من الأطفال اليوم متعلمة. لذلك، يجب البدء في تعزيز الفلسفة للأطفال في هذا الفضاء، لتُقرأ الفلسفة جيدًا ويصبح الناس أكثر قدرة على التفكير.

1xbet casino siteleri bahis siteleri