الوجه الآخر لوسائل التواصل!

164

كان الهدف في بداية اختراع وسائل التواصل خلق جو من التعارف والتواصل بين بني البشر، لتتلاقح بذلك الحضارات وتتواعد الثقافات في جو من السعادة والإخاء. سهُل الأمر واستمر الناس في السفر إلى كل بلدان العالم في أقل وقت ممكن، ودون تكبد عناء الطائرات أو إطالة المكث على كراسي الحافلات والقطارات، بل من بيتك وبضغطة زر يظهر العالم أمامك كأنه أحد أمنيات جني مصباح علاء الدين.

وصل هذا الإنسان الحالم إلى ابتكار عقل تكنولوجي كان في أول الأمر مجرد استعداد أولي قابل للتلقين والشحن، ومن تم إخضاعه لخوارزميات رياضية بواسطتها يشتغل ويبدع ويقدم خدمات معرفية ترفيهية لهذا الكائن البشري الفضولي، فتحول لعب المراهقين الشغوفين بالمغامرة والابتكار إلى حقيقة قلبت العالم رأسا على عقب في ظرف سنوات قليلة من الزمن.

إلى هذا الحد، لا زالت معجزة القرن العشرين التكنولوجية تمثل النموذج الأسمى لعبقرية العقل المبدع ما دامت تخدم الإنسان وتحقق رغباته المتعددة. لكن، بعد وقت وجيز من الولادة، استعان أرباب هذه الشركات من فايسبوك وإنستغرام وتويتر بخبراء ومهندسين وعلماء نفس، يشتغلون في الكواليس على دراستك أيها المستخدم الكريم من كل جوانبك السيكولوجية والسوسيولوجية؛ حيث أكثروا عليك نوافذ تسجل فيها ميزاتك، ورغباتك، وهوياتك، وميولاتك وأسرارك وكل جزء من حياتك حتى أصبحت مادة خام قابلة للمساومة في السوق السوداء، حينها يا عزيزي تسارعت باقي الشركات في التعاقد معها، إما في شراء أسهم منها أو بيع إعلاناتها وعرضها في منصاتها، فهل تساءلت يوما أنك وبمجرد أن تشاهد مقطع فيديو لأحد اهتماماتك إلا ويباغتك إعلان تجاري بالقرب منك يعرض عليك أخذ المنتجات التي تحدثت بها مع حبيبة قلبك في الرسائل أو التعليقات، فاستغلوا رغباتك النفسية وأضحت قابلة للتعزيز والاستجابة وفق أهدافهم، فضاعفوا عليك مشاهد الفيديو من جنس ما تحبه، أي أصبحت بدون وعي منك تتمادي في المشاهدة وتتوغل في متاهة المزيد من المشاهدة بدون إرادة منك، وأصبحت مقيدا فاغرا فاك في بوابة الإدمان، بعدما كنت قد عقدت العزم أن تنام باكرا بعد يومك الشاق.

لما وضعوا رسومات الإعجابات التي تعبر بها عن شعورك تجاه صورة منشورة من أحد أصدقائك، كان غرضهم من ذلك تبادل مشاعر الحب والصداقة، لكن انقلب ذلك سلبا وتوجه إلى البغض والكراهية، إذ فقد الإنسان الثقة في نفسه وأصبح يقيّم ذاته وجماله بعدد تفاعلات أصدقائه معه من إعجابات وتفاعل ودعم، وإذا لم يحصل على العدد الكبير منها أو تلقى تعليقا لا يوافق تطلعاته كأن يسخروا من تسريحة شعره أو طول أنفه أو طول أذنيه دخل حينها في دوامة من الحزن والقلق تنتج عنها نوبة حادة من الاكتئاب، وبالتالي يقدم هذا المستخدم الفاقد للثقة المنعدم للرضا على الانتحار، أو يسعى بدل ذلك إلى تحميل تطبيقات “الفيلترات” التي تزيد من جماله وحسنه، ويستطيع من خلالها أن ينقص من طول أذنيه أو أنفه ويزيل البقع السوداء من وجهه ويصنع من صورته التكوينية الشخص المثالي أيقونة في الحسن والجمال، وذلك كله ليرضى عنه معجبوه ومتابعوه المحبون له، فيكون هذا الفعل حجة على فقدان الرضا والثقة عن الذات وبالتالي تكوين جيل ينافق ذاته، يكذب على نفسه ويبيعها بدراهم معدودة وكان فيها من الزاهدين.

كثرت الأمراض النفسية من قلق وخوق وفقدان الثقة، واختلت هرمونات الجسم بسبب كثرة روود الفعل المتتالية التي نتجت عن تنوع المشاهد والصور، وكثر تعاطي الناس للأدوية، فنجح الإنسان من كسب صدقات افتراضية خارجية تخترق الحدود والزمن وخسر ذاته وذاكرته وذكاءه وعلاقاته الأسرية وصداقاته الواقعية بسبب الإدمان على مخدرات وسائل التواصل الاجتماعي.

دخلت بياناتك الشخصية حيز البيع والمساومة، واستغلت في ثراء الرأسماليين الكبار، وأضحى هذا كله يضرب في القيم الإنسانية المتجسدة في الحرية والاختيار والأخلاق الكونية عرض الحائط. يبقى السؤال: أين هم الفلاسفة والمفكرون والحقوقيون العرب الذين أكثروا الحديث في الدفاع عن الإنسان وهو صاحب هذه الفوضى الأخلاقية التي تهدد الأجيال القادمة؟ أم أنهم في برج عاجي ينشدون المثالية وبناء المدينة الفاضلة في العقل والخيال ونأوا بأنفسهم عن دراسة الوضع البشري في ضوء مفاهيمه القيمية التي كانت تشغل هم شيوخهم القدامى؟

1xbet casino siteleri bahis siteleri