خطوات التطبيع

ليس ثمة جدال في أن المواجهة العسكرية المباشرة في عالم اليوم هي آخر ما تلجأ إليه الدول في سعيها إلى الهيمنة والسيطرة على الموارد وتوسيع أنشطتها الاقتصادية. ليس فقط لأن المواجهة العسكرية مكلفة للغاية، بل وأساسا لأنها لا تحقق المقصود والغاية المرجوة منها؛ ذلك أنها من جهة تثير عواطف الوطنية لدى المستهدفين بها، وتحملهم على المقاومة، وهو ما يجعلها عاجزة عن تحقيق أهدافها. وهي من جهة أخرى تَلفت إليها أنظار الآخرين من حول العالَم، وقد يتضامنون مع المستهدفين بها، مما يؤثر على صورة الدولة المعتدية أمام المنتظم الدولي. لأجل ذلك، تظل الوسائل الأخرى غير العسكرية أكثر تفضيلا في العصر الحديث. وهي ما يمكن أن نسميه بالوسائل الناعمة في الحرب.

وقد بينت الاستطلاعات أنه في كل المواجهات العسكرية الدموية يكون هناك تضامن شعبي واسع من حول العالم، يشوش على مسار العمليات العسكرية. يختلف من دولة إلى أخرى، ومن شخص إلى آخر. فقد يكون التضامن حادا يحمل على الانبهار، ويثير تخوف الدول، وقد يخبو ويتراجع، وخاصة مع مرور الزمن، بحكم أن العاطفة بطبيعتها تهدأ مع مرور الزمن.

فالعواطف تتقد أحيانا، وتخمد في أحيان أخرى. لكن ثمة أشخاص يحافظون على توقد حسهم الإنساني مهما طال الوقت، ولا يتأثر اهتمامهم بقضاياهم بعامل الزمن، وهم وإن كانوا قلةً فإليهم يرجع الفضل في الحفاظ على استمرار الشعور بأهمية بعض القضايا في نفوس الناس.

إن سلوك الناس في التعامل مع محيطهم يختلف، وهذا الاختلاف هو ما يحافظ على توازن هذا العالم، أو ما بقي من توازنه. إذ هناك أشخاص لهم حس عال بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم، وبالشعور بالأشياء من حولهم، وحصّلوا قدرا كافيا من المعرفة بما يجري من حولهم وبخطورته وتأثيره على مجرى حياتهم. لأجل ذلك تجدهم يَهبُّون عند كل حدث من شأنه أن يؤثر عليهم أو على الآخرين، فهم في حالة تأهب مستمرة، بل وفي حالة مقاومة دائمة إن اقتضى الحال. لهم تعلق بأهداف كبرى وغايات سامية، تتجاوز القشور المادية لحياتهم الفردية، ويتمتعون برؤية شاملة، ولهم انتماء كبير لجماعتهم ولأمتهم، بل رسوخ كبير في الانتماء. وكل ذلك يُؤهلهم لأن يكونوا حرَّاسا لقضايا أمتهم ولقضايا الإنسان في كل أرجاء المعمورة.

وفي مقابل ذلك، هناك أشخاص آخرون قد تطبعوا مع نمط الحياة المعاصرة، حيث “أنا وبعدي الطوفان”، هو الشعار الذي يرفعونه، وإن هلكتُ أنا فلا نجا العالَم. كل فلسفاتهم في الحياة تتمركز حول الذات، في انفصال تام عن العالم بل وعن محيطهم الصغير. وفي العادة هم منغمسون في استهلاكية مفرطة، إن هم على قدر من الثراء، أو السعي وراء المال إن كانوا فقراء.  وهؤلاء بنوعيهما الأغنياء والفقراء من الطبيعي أن تكون قضايا من قبيل العدوان على غزة مواضيع غريبة عنهم، ولا تشكل أولوية في تفكيرهم أو ضمن القضايا التي تسترعي بعض الانتباه منهم. ومن أسف، فهذا الصنف في تنامٍ مستمر، بل يكاد يكون هو السواد الأعظم من ساكنة العالم اليوم. وليس لأن ذلك هو الطبيعي في الإنسان، أو لأن ذلك يرجع إلى أمر فطري فيه، بل ذلك نتيجة سياسات مقصودة، تُستعمل فيها وسائل ناعمة لتخدير وعي الإنسان، وجعله ينفصل عن عالَمه، لتخلو الساحة لهؤلاء المدبرين كي يتصرفوا كيفما شاءت لهم أهواؤهم، واقتضته مصالحهم.

وهذا الذي قصدته بالوسائل الناعمة في بداية هذا المقال، ذلك أن التطبيع مع هذا النمط من الحياة من غير شك هو أمر مفروض من خارج، أي من الغير. وذلك من خلال فرض نمط معين من التربية ترتكز أساسا على الفردانية، والتي تؤدي إلى جعل الإنسان منغلقا على ذاته وأناه، منزوع الحس بالعالم من حوله وبمسؤوليته حول ما يجري فيه، والتقليل من قيمة أية روابط عائلية أو مجتمعية أو وطنية؛ أعني صناعة إنسان حديث على النمط الغربي.

والإنسان الحديث بالتعريف: هو إنسان مفرط في فردانيته، منزوع الشعور بالعالم من حوله. ولعل هذا ما يفسر أن المظاهرات الكثيرة التي عرفتها الدول الغربية، رغم أنها مظاهرات حاشدة، إلا أنها كانت تتشكل في جزء كبير منها من جالية مسلمة، أو ذوي أصول أجنبية من قدماء المهاجرين، الذين استقروا في تلك الدول، باعتبار أن هؤلاء ما زالوا يحتفظون بشيء من أصالتهم، ولم ينصهروا في المنظومة الغربية المشار إليها بشكل مطلق.

مقالات مرتبطة

أنا وأبي

الضياع ..

إن العين الفاحصة لا يمكن أن تخطئ أن هناك جهودا كبيرة تُبذل من أجل حمل الناس على التطبيع مع هذا الواقع الجديد، وهذا النمط الحديث للإنسان. ومصطلح التطبيع منذ استعمالاته الأولى في ستينيات القرن الماضي، كان يعني القبول بشيء غير مقبول. أعني التعامل مع واقع معين على أنه واقع طبيعي، رغم أنه ليس كذلك. وكان ذلك أثناء تطبيع التشيك لعلاقاتهم مع الاتحاد السوفياتي، بالارتماء في أحضانه، والتخلي عن كل أشكال المقاومة والنضال ضده. وبالحديث عن التطبيع، يمكن أن نستحضر ما يحصل في سياقنا الإسلامي، وأعني هنا التطبيع مع الكيان الصهيوني في السنوات الأخيرة من طرف بعض الدول العربية، لا يجب أن نغفُل عن حقيقة أنه كان هناك عمل كبير قبل الوصول إلى لحظة الإعلان الرسمي عن ذلك.

وكل عملية تطبيع تمر بمراحل أساسية، لخصها أحد المختصين في البروباغندا السوفياتي وهو الأستاذ يوري بيزمينوف Yuri Alexandrovich Bezmenov في مراحل ثلاث، وهي:

-أولا: تفكيك الأخلاق والمبادئ التي تتأسس عليها الأمم والحضارات، وخاصة ما يتعلق منها بالدين، حيث يتم تعويض المعتقدات الدينية المتوارثة والمؤسسة على الوحي الإلهي بأشكال روحانية جديدة، لا تتأسس على أية أبعاد عقدية، وتفكيك منظومة التربية التي تصبح مرتكزة على أمور غير ذات قيمة معنوية، حيث تتضخم قيمة بعض المواد التعليمية كتضاريس الدول وتاريخ حروب أوروبا “العالمية” دون غيرها، مع استغلال وسائل الإعلام، التي تبقى تابعة للمعلنين والممولين، لترسيخ هذا التوجه، وتقديم شخصيات معينة بصفتها نماذج وقدوات تمثل النجاح الذي ينبغي السعي إليه، ويجب أن تحتذى، وخلق صورة معينة للنجاح الذي يجب أن يُطلب ويُبحث عنه، وتفكيك كل مقومات الأسرة السليمة، ونزع الثقة في الإنسان وفي قدرته ودوره وقيمته.

-ثانيا: إشاعة الفوضى وحالة عدم الاستقرار في كل شيء، سواء في شؤون مجتمعية أو سياسية، أو في شؤون ثقافية، وذلك حتى تتعذر الرؤية بشكل سليم، ويصبح إدراك الحقائق مختلا، وتختلط الأمور على الناس حتى فيما يخص هويتهم. في هذا الوضع، لا يرى المرء في العدو عدوا، ويصبح التعامل معه لا مقبولا فقط، وإنما مرغوبا أيضا… وهذا الإدراك المختل للحقائق يؤدي إلى اضطراب في كل العلاقات الاجتماعية، لذلك تصبح العلاقة بين الأجير والمشغل مبنية على التباغض، وعلاقة الأب بابنه مبنية على التمرد، بل وعلاقة الأستاذ بطلبته قائمة على المكايدة، وقس على ذلك باقي العلاقات. وحين تصبح الأمور على هذه الشاكلة، يتم الانتقال إلى المرحلة الثالثة.

-ثالثا: مرحلة الأزمة، وهي نتيجة طبيعية للمرحلة السابقة. ذلك أن المجتمع يصبح تلقائيا في حالة أزمة بمجرد أن يصبح اشتغاله غير فعال، حين تضطرب المؤسسات المكونة له، وفي مقدمتها مؤسسة الأسرة. وما أنْ يصبح هذا المجتمع في أزمة حتى يبادر العدو إلى تقديم بدائل بأثمنة تفضيلية، وفي هذه الحالة لا يحتاج إلى سلاح أو مواجهة مباشرة لكي يحقق أهدافه، طالما أنه يستطيع أن يتحكم في الغذاء والدواء، ورسم نمط الحياة الذي يخدم مصالحه وأهدافه. ويمكن إسقاط هذه الصورة، على معظم الدول التي كانت مستعمَرات في القرنين الماضيين، فقد خرج العدو عسكريا، وبقي متحكما بوسائل أخرى أقل تكلفة، لكنها أكثر نجاعة.

نعم، ربما تكون بعض الدول تفطنت لهذه الفخاخ الاستراتيجية، وأغلقت الباب أمامها، كروسيا واليابان (سابقاً) وتركيا، بإغلاقهم الباب أمام تبادل البعثات الطلابية والإعلامية والفنية والديبلوماسية، والتي كانت تستعملها الدول الغربية لترسيخ ثقافتها وأيديولوجيتها، إلا أننا إذا تأملنا في دول العالم اليوم نجد أغلبها منصهرا في المخطط الغربي الأمريكي، ويسير على ذات النهج، ويرى بنفس الأعين.

وفي الوقت الذي يسير فيه العالَم على هذا النهج، بقيت غزة تُقاوم، محافظة على أهم نقاط قوتها وهو تماسك مجتمعها، الذي جعل المقاومة تستمر إلى حدود يومه، وإن اختلف الزاد والعتاد بينها وبين العدو. ولتكون بذلك غزة البقية الباقية من العالم الذي يرفض ليس الاحتلال فقط، ولكن أيضا التطبيع مع هذا العالَم الجديد الذي يتشكل، حيث تُصبح المصالح الغربية والصهيونية معها البوتقة التي ينصهر فيها الجميع، ولا يُرى إلا بأعينها. ويصح القول بأن غزة لا تُقاوم فقط، بل إنها تقاوم نيابة عن بقية العالم.

فإنه لَشرٌّ عظيمٌ أن تنجح إسرائيل في مسعاها، بحيث يُصبح تصديق رؤية الشمس بالعين المجردة الصحيحة، في جو صاحٍ، متوقفاً على بيان عسكري في تل أبيب… أو واشنطن!

1xbet casino siteleri bahis siteleri