الإنسان: ذلك الكائن المفلس

أعتقد أن الإنسان لو استطاع النفاذ إلى أعماقه وتمكن من فهم نفسه، ما كان ليعيش كل هذا العذاب الذي يستنزف طاقته ويهدر من وقته.

تذهلني قدرة الإنسان على سرعة تقلب مزاجه بل وحتى مواقفه؛ إنه حربائي التفكير لا تمر عليه لحظة إلا غدا عدوا لفكرة طالما دافع عنها خشية الزوال أو عدم الاعتراف!

الإنسان في الصخب يغدو عاشقاً للهدوء، وفي الهدوء والراحة يصبح طالباً للفوضى والضجيج والعيش بين ضوضاء المجتمع. آه كم هو غريب أمر هذا الكائن المفلس، إنه لا يقوى على الاختيار، حتى وإن تسنى له ذلك، يظل قاصراً عن فهم ما يريد.

إنه ليحز في النفس، أن تشاهد إنسانًا يتعذب وهو يحاول متثاقلا متكاسلا فهم ذاته. قد لا يفيدني في شيء أن أعرف لمَ اختار نيوتن شجرة التفاح دون غيرها، ولكنني أعلم يقينًا جازما أن معرفتي لذاتي سوف تضيف إلى حياتي شيئًا إيجابياً.

لمَ إنسان القرن 21 متكاسل؟

قد نفهم من السؤال أن إنسان القرون المنصرمة لبى نداء عقله وأصاخ السمع لأعماقه، فانتصر على العجز والكسل، وهذا صحيح نوعاً ما؛ لأن الذين عاشوا في الكهوف وتذوقوا مرارة الحياة نجحوا على المستوى الشخصي وتفوقوا إلى حد ما على الظروف المحيطة بهم.

الإنسان الذي يبحث عن مبررات لعجزه ويسوغ عدم نفعيته لن تتوقع منه شيئاً.

الإنسان المعاصر، كائن غضوب وعصبي، لا يتقبل النقاش السليم ويكره التبرير، إنه لا يكلف نفسه عناء التفكير.

لا أشك قط في أن النظام العالمي الجديد استلب البشرية وأثر فيها أيما تأثير؛ إذ جعل الناس يؤمنون إيماناً راسخاً بأن الفردانية طبع متجذر في الخليقة مذ نشأتها، وأن الصدود عن الطبع يساوي التخلي عن مبدأ من المبادئ الكبرى لجوهر الإنسانية.

إن الخراب الذي يطال العالم الآن، إنما هو نتاج لامبالاة الإنسان. الأديان اليوم، لا تعلمنا كيف نتجاوز الشر بل تعلمنا كيف نتصالح مع الذات.

إن هذا التحول نابع أساساً من اللاتوازن والاضطراب الذاتي وموت الإحساس، في مقابل هذا، نجد أن المؤتمرات المتجددة في بعض الدول المهيمنة لا تفكر أبعد من دائرة تواجدها، إذ تزعم أنها تخطط على مدار السنة لتبني استراتيجيات -وهمية- تحت مسميات لا معقولة من الأساس، يدعي الواحد منهم وبكلمات -متكررة ومملة- تكاد تخلو من أي معنى، أن البرامج العامة تستهدف القطاع الاقتصادي بالخصوص. بينما لا نعثر على أي مخطط يروم تأسيس الإنسان وإنعاش جوهره الآخذ في التآكل.
إن هذا الإفلاس الذي نحن بصدده، يكاد يشبه المفهوم الأصلي المرتبط بالمال والأعمال، لكنه في الحقيقة يذهب إلى أبعد من ذلك بمسافة ضوئية هائلة.

يتعلق الأمر بإفلاس جوهر الإنسان من حيث إنه كائن، تلك المادة الخلاقة المشكلة لبنية الجسم، إنها الكشاف الحقيقي لكل معطى محتمل أمامنا، وبذلك تكون هي الغربال الذي يخلصنا من فسيفساء الأشياء والفاسد منها.

ولا أشك قطعاً، في كون الارتداد الذاتي سينتج نوعاً من المعرفة أو حقيقة إنسانية مبنية على استقصاء مرتبط بالإنسان نفسه.

لقد تبين من خلال ما تم تناوله، أن هناك مرضا يكاد يشبه في طبيعته وتكوينه عقدة أوديب، تلك العلاقة الباردة بين الإنسان وحقيقته، فهو يسعى إلى التخلص من الأب الذي هو حقيقته، مقابل الانفراد بتلك القطعة الفانية المنعدمة المعنى، أي البنية الحاوية للروح والمجوفة بشكل كامل.