عالم ما بعد الوباء

أتى الوباء محملا بالفرص الذهبية، والدروس التي دفع الملايين ثمنها من أجلنا نحن. نحن الحالمون، الطموحون، الناجحون، المحرومون، العاملون، العاطلون، المحتاجون، العاقلون، المجانين، المبدعون، الغيورون، الأنانيون، الصادقون والكاذبون.

بينما تشرق الشمس مودعة ما تبقى من شظايا الوباء دون رجعة، وتمشط السماء غيوم الداء بسحب الشفاء، منيرة ببياضها الناصع أرجاء الفضاء الأزرق. ستتفتح زهور الخير لتعطر العالم بعبق السلم والأمان. ستثمر أشجار المحنة بأطيب الخصال بعد أن سقاها غيث الصبر والوئام، سينبت عشب التغيير في ثنايا الكوكب، حتى في الأراضي القفار، سيبزغ فجر منير يضمد الجروح القديمة، ويخلص البشرية من الظلم والطغيان، ستكبر الأزهار في بقاع رويت بدماء الشهداء والأبرياء، لتكون بلسما لداء الفقد والحرمان. سيكون الوأد مصير الجشع، والجور والاستبداد، وبينما ترتفع الأهازيج بعرس ولادة الإنسانية، ستقف البشرية وقفة إجلال واحترام للصعاب والمشقة اللتين أخرجتا من رحم الضيق والكرب بعد مخاض عسير. سيحكم العدل، وينال التجبر عقوبة الإعدام. وبعد أن عانت عصافير الحكمة مزجاة في قفص السفاهة، سيرفرف جناحيها من جديد في فضاء الرقي والعطاء. سترفع راية العلم، ويسقط علم الجهل أرضا لتدوسه خلايا العقل في عزيمة وإصرار.

نظام التفاهة سيفسده التعقل والرزانة أشد إفساد، ليتم تبني نظام يخدم الإنسانية والإنسان. أما التمييز العرقي والعنصرية فسينالان من غضب المساواة والعدالة ما يقطع دابرهما. أما الزاد فسيكون أفكارا نيرة، وأخلاقا طيبة، ومتاعا خفيف الحمل، ثقيل الوزن. لن يثقل كاهل العالم بما لا ينفعه ويفيده، إنما سيجعل منه عالما نموذجيا لا شبيه له.

ستبنى بيوت من حجر القناعة الخالصة، بأبواب من التعاضد الأخوي، ونوافذ من الكرم الخالد، تحفها حديقة العطاء اللامشروط، فيبدو العالم بما فيه كأنه بنيان مرصوص لا يهتز بفعل عواصف الكبد والكربة.

مقالات مرتبطة

للصباحات طعم النشاط والحبور، والمساء كأنه علبة سرور، الحب معزوفة ستستقبل الشمس أثناء الشروق، وتودعها لحظات الغروب. وبينما خيوط الأمل ترافق الشمس، سيحل محلها التفاؤل كأنه النجوم. بذور الفرح ستنمو لتمحو الشجون، وسيرافق العمل ظل الحلم لينتقل إلى الوجود. لن يحول الضعف دون اكتشاف مواطن القوة في النفوس، أو يعجز طول المسافة الأقدام عن المضي والوصول.

عيون الكراهية سيعميها التآخي والود، أما أنهار الحقد ستمتزج بمحيط الألفة الصفي والصفح النقي. أيادي العداوة ستمتد بالصداقة الأبدية لتعانق السكينة قلوب الثأر فتلين وتستكين. واحات البخل سيصيبها وابل السخاء والجود فتنعدم عن الوجود، والضمير الميت ستحييه طيرا أبابيل، ترميه بحروف من سجيل، سيوقع العالم معاهدة سلم وأمان، يذرع في ثناياها التآزر، وتلوح الطمأنينة في سطورها، ويبدي السلام فيها بغضه للحرب، والثورة والاعتداء.

سيحل ربيع الخلاص من قيود العادات الفارغة والتقاليد الظالمة؛ التي لطالما كانت أغلالا تقمع الفكر وأهله، وترجم الإبداع وتسفهه، وتتطاول على الدين ومبادئه. نفس عميق ستأخذه البيئة بعد أن تخلصت من الاحتباس الحراري الذي جلد روحها، والحرائق التي نهشت اخضرارها، والتلوث الذي أفسد نقاءها وكدر صفوها. لن تهضم الحقوق تحت ذريعة العقوق، وما إن تؤذن الواجبات بالنهوض، تقف المسؤولية على قدم وساق لتلبي النداء في خشوع.

أحزاب القوم، ستتخذ من مذهب الحسنى مسلكا، ومن خدمة مصالح البشرية وعدا، ومن غرس فسائل الخير هدفا تتحد من أجلها البلدان أجمع. لن تحول الفروق بين اتحادنا، لأنه لم يكن، ولن يكون هناك فرق بين يهودي، أو مسيحي، أو مسلم، أو بوذي، أو هندوسي أو شيعي…ما دامت عقيدة الإنسانية تجمعنا، وتقبل الاختلاف يرافقنا، واحترام المعتقدات يلازمنا، وكف اللسان عن المساس بالديانات نصب أعيننا.

عالم سيكون بهيا في حلته، مباركا بطلته، مبشرا ببدايته، مهيبا برزانته، متألقا برقيه، باعثا على الاستبشار، وفأل خير وبشر على الإنسانية جمعاء.