السرد القصصي وإشكالية العصبية

470

إنّ تشبيه المستعمر بالضيف لم يكن اعتباطيا في البداية، وذلك راجعٌ لعدة عوامل نذكر منها الطريقة الكلاسيكية المعتمدة في تاريخ المستعمرين على مر العصور، والتي تتجلى أغلبها في ارتداء قناع مستكشف الحضارات، والباحث المنقبّ في التّاريخ، والرّجل النبيل الذي يؤمن بالتسامح والتعايش والمساواة وذلك كله قبل أن يصل لمبتغاه ويحقق الهدف الحقيقي والأسمى في نظره والذي وُجد من أجله – فهو العرق النقي الذي سخّرته السماء ليخلص العالم من العرق الهمجي الهجين – في نظره، إنه المستشرق الشغوف بالمعرفة ورحاب العلم.

حين نغوص في بعض الكتابات الغربية، وسأخصص بالذكر هنا رواية “في قلب الظلام” للكاتب جوزيف كونراد نجد أن الوصف الذي تم تشبيه الرجل الأفريقي به خاصة، وسكان أفريقيا عامة، أبعد ما يكون إلى الهمجية والوحشية منها إلى الآدمية، فالكاتب قد جرّد السكان الأفريقيين في ضفاف نهر الكونغو من كل معاني الإنسانية والآدمية، كونه لم ينظر إلى نمط عيشهم كأسلوب حياة يميز ثقافة مختلفة، وأن لأفكارهم عقل تنبع منه، يملكون كيانا يحسون به، ويشعرون ويتألمون، وأن بساطة معيشتهم هي حياة يسعدون بها وفيها، وأنهم شعب له حضارة وتاريخ كغيره من الشعوب الأخرى، وكذا طريقة تواصلهم هي لغة كباقي اللغات الأخرى المعترف بها، بل تم اعتبارهم في الدستور الاستعماري قوم سُذّج همجٌ يمتلكون خيرات لا يستحقونها، وأنهم في حاجة ماسّة لمن يفوقهم خبرة وعلما ومقاما ليحسن استغلال تلك المساحات الشاسعة بذكاء. إضافة لذلك، نجد أن التفكير الاستعماري لا يمكن ألا يضمّ أفكار العنصرية والعرقية المتشعبة خلف العقل الأبيض السامي، ذلك التفكير الضيّق المنحصر خلف زوايا بشرية قاتمة تشكل الخطر الأكبر الذي يهدد الحضارة الراقية بوصفها “شراً مطلقا”، وأخرى بيضاء مختارة تشكل المنقذ والرجل الخارق الذي يخلص الإنسانية من الشر المتربص بها باعتبارها “خيرا مطلقا”.

إذا ما لاحظنا العنوان وحده قبل التوغل في نص الكتاب، نجد أنه تجسيد لمعاني العرقية والعنصرية التامة، فكلمة “قلب” تعود على “أفريقيا”، فهي القلب النابض الذي يضخ الدم للجسد بالكامل يعني “حياة”، فماذا لو رافق الظلام هذا القلب، يكون بذلك قلب ينبض بالحياة المظلمة، حياة مجردة من المعاني المشرقة، أو قد تكون مجردة من المعنى بشكل كليّ. فحياة الرجل الأفريقي بالنسبة للرجل الأوروبي هي ظلام وسواد، عتمة قاتمة في جلد البشرة الأفريقية، وعقل الأفريقي، وفي قلب أفريقيا عامة.

مقالات مرتبطة

إن الخطاب الاستعماري لا يخلو من عبارات التجريد من الإنسانية، والهُوية، وتلفيق الحقائق لتغدو في قالب “مهمة حضارية” تخدم الفكرة والأهداف الاستعمارية. فبالعودة للرواية السالف ذكرها، نجد كونراد يتفنن في تشويه صورة المجتمع الأفريقي، معتبرا التواجد في أدغال أفريقيا أشبه ما يكون بالتواجد خارج الزمن وخارج العالم. فالرجل الأوروبي باعتباره مبعوثا لتلك الأراضي البدائية نجده مضطرا لمسايرة شعب أدنى منه مرتبة، وأقل شأنا في سبيل الرسالة الدينية والتي تندرج في الأصل ضمن غاية أخرى هي استغلال الأراضي الفلاحية والزراعية، والعمل على نقل الثروات من العدوة السفلى “أفريقيا” إلى العدوة العليا “أوروبا”.

إن معاني اللاإنسانية نجدها مندسة في الخطاب الاستعماري بصور مختلفة، تارة بالتجريد الكلي لعنصر الآدمية، وتغييب مادة أساسية في الإنسان باعتباره كائنا بشريا حباه الله بنعمة العقل، مع محاولات معنوية وفعليّة “لأشيأتِه” وأحيانا كثيرة “لحيوَنتِه”. فإذا ما تحدثنا عن اللامعنى فسنجده عنوان المجتمع الأفريقي، وإذا ما ودّ – الخطاب الاستعماري – تقديم صورة كتجسيد لعنصر الشر المطلق، ومثال عن القبح والانحطاط وانعدام القيم والأخلاق، لا بد وأن يصيغها في بشرة داكنة وجلد أسود.

بالمقابل نجد استثناءات لا بد أن تُذكر والتي عمدت إلى تجسيد الشعوب غير الأوروبية تجسيدا صادقا مجرّدا من مادة العنصرية أو العرقية، وخير مثال عن هذا نجده في مسرحية الكاتب الإنجليزي “وليام شكسبير” المعنونة بـ “عطيل” والتي كسرت قيود المألوف، وخرجت عن المعتاد في زمن الكاتب، فقد جرت العادة على اعتبار الشعوب غير الأوروبية وتمثيلها كشعوب ذات مستوى أقل. فالقائد الأفريقي المغربي ذو البشرة السوداء “عطيل” نجده مثالا للخير والنبل في المسرحية، جمع بين الحزم والخبرة العسكرية والوفاء، بينما وسوست له شياطين الإنس ذي العرق العنصري الأبيض؛ التي عمد شكسبير عكس كونراد إلى إلباسها لباس الشر والخداع وتمثيلها بما ينم عن شفافية ومصداقية إنسانية تخلو من الانحياز لعرق، أو التطبيل لمجتمع على حساب مجتمع آخر.

باختصار، لا يمكن الجزم بنقاء عرقٍ أو سموه بينما أتينا جميعا من طين ومردّنا إليه، ما يثبتُ نقاءنا وسمونا هو خلوّ تفكيرنا من أناه متعالية بكِبر، وتفضيلُ نفسها عما سواها بنظرة دونيّة تتخللها عنصرية ما. فلا فرق ولا فضل لأبيض على أسود ما دام كلاهما من تراب ونهايتهما الفناء.

1xbet casino siteleri bahis siteleri