كتبت لأمي..

هي علاقة نشأت قبل الصرخة الأولى، علاقة لا يلخصها الحب ولا العشق ولا الهيام، هي علاقة لربما لم يسبق أن عبرنا فيها بكلمات تلخص مجمل ما نحسه اتجاهها، إنما تأخذنا الأفعال في أن نصرح بما تزخر به قلوبنا من حب لها، وإن طغى العشق في لحظة ما ارتمينا إلى أحضانها، حتى نخفي ضعف ألسنتنا على البوح بما قد فاضت به أفئدتنا.

“وضعت يدها على جبيني، تستشعر حرارة أطفأت شعاع فلذة كبدها، كانت يدها بردا وسلاما على جبيني المشتعل، كانت بلسما سرى في دمي أملا وحياة، ففتحت عيني  فلمحت وجهها الملائكي، أخفت كل أشجانها، لتترك لروحي أن تتنعم بترياق ابتسامة وفرح علا محياها حتى أشفى من علتي وأُرْجِع لها راحتها”.
أمي لم تعلمني لا حَرْفاً ولا حِرْفَةً، لكن علمتني الحب وكيف أعيش به، علمتني أمي أن الإنسان بلا حب هو فراغ يملأه كل ريح عابرٍ، يملأه كل فراغٍ مثله، علمتني أن من لا يحب نفسه لن يقدر على أن يكون متوازنا ولا أن يكون  ططيب الحضور فيمن هم حوله. علمتني أن الرضى نعمة تزيدنا حباً لذواتنا، نعمة تسعد الروح بما هو بين يديها. علمتني أن أبتعد عن الناس إن كنت سأسيء  التعامل أو أهمل ولا أهتم بهم، وإلا يجب أن أرضى بمثل ذاك الفعل لنفسي،  وأوصتني أن لا أبيع وهما، علمتني أن رحلتي في الحياة ستمر يوما ما في البحث عن الحب، وأن ذاك الحب هو روح يجب أن أراها كأنها روحي، أن أساير نبض قلبها، فالإنسان يتمنى ٱلاف الماديات، لكن التفاتة واحدة ونبض صادق، لا تشتريه لك الحياة كلها يا بني، ثم إنه من لم يحب نفسه لن يحسن معاملة روح أخرى، وأن تلك التي ستجدها كلما أحسنت إليها وكنت خير راع لها، ستجدها  السكن والمأوى للانتصارات ولانكساراتك يا بني.
مقالات مرتبطة
رحلتي ابتدأت يا أماه منذ سنين خلت، كانت تمر أيام لا أسأل عنك فيها، لكن ما إن يباغتني حزن أو ضيق، تتراءى لي ابتسامك في الأفق، ابتسامة خالصة طاهرة، كابتسام وليد بريء، تلك الابتسامة تروي قلبي العطش، ابتسامة تبعث الأمل في، تقول لي، هون عليك يا بني، إن لم تتعب في مسيرك لغاية ما فكيف ستستلذ لحظة وصولك، إنما هي فترات وستمضي، فلا تفقد بوصلتك، ستصل بإذن المولى يا بني.
تلك الشامخة التي لن تراها ضعيفة ولن تشتكي لك يوما، فهي رمزي، علمتني الصمود، وأن أحتوي ضعفي ولا أكل في مسيري، خانتها قواها يوما فَبَكَتْ، أتذكر أول دمعة رأيتها تسيل على وجه أمي، تلك الروح النقية لا تملك سوى  الدموع حينما تخور قواها، لكنه الفقد، لكنه الموت يرقق القلب ويطلق العنان للدموع، يفتح لك باب للتفكر كيف يجب أن تخيط بينك وبين نفسك ثم بينك ومن تحب.
“أخذني الحب لها، فضمني إلى صدرها وغمرني دفء أسكن كل جراح قلبي، ورأيتني مهما كبرت وإن شِبت، سيبقى حضنك يا أماه راحتي وسكني، لا أعرف يا أماه ما  أكتب، لا أعرف ما أقول، تعثرت كلماتي على فاهِ، بل خانتني، لا أقدر على شيء، سأستسلم لقلبك، سأترك روحي تنتهي إليك، تنتهي في حضنك”.
لا أملك شيئا أهديك إياه، لا أملك سوى الكلمات، كلماتي مهما زُينَتْ ومهما انتقيتها لا تصل مدى تعلقي بك، ومهما كتبتُ لحقك يا أماه ما وفيت، إنما هي كلمات فقط، أما قولكِ وفعلكِ يا أماه فهو حياة، ثم لا أجد سوى أن أحسن وأبر بكِ، ولإن فعلت لا والله ما كفيت، سألت المولى أن يحفظكِ ويسكنكِ أفسح الجنان، وأن يرزقني قربك ما حييت.