وهم الإنجاز….

1٬524

حينما تعرض لأحدنا وعكةٌ صحيةٌ، فإن الرجوعَ إلى الطبيب، وتشخيصَ الحالة، وتحديدَ نوع المرض، بل ووصفَ الدواء المناسب… كل ذلك لا يعدو أن يكون جزئاً بسيطاً من الحل، وخطوة أولَى في سبيل الشفاء والقضاء على الداء، علماً أن مرحلة العلاج الفعلي أشد وطْئاً وأكثر صعوبةً، وتدعو فيها الضرورة إلى الصبر على التعب، وطول الزمان لبلوغ الغاية المطلوبة.
ولن نكون بمنئى عن الصواب إذا قلنا إن عامة ذوي الوعي والثقافة عندنا إزاء المشكلة الحضارية لم يتجاوزوا بعدُ سقف هذه المرحلة وغاية هذه الخطوة.
واليومَ وقد مضى قرابةُ قرن من الزمان على طَرْحِ مالك بن نبي وعلي عزت بيغوفيتش لإشكالية “انفصام المعلومة عن مقتضاها من العمل” في الحضارة العربية، باعتبارهما من أوائل من تجاوز مرحلة التشخيص والتحليل والوقوف على أسباب الانحطاط إلى مرحلة البحث عن الحلول، وقد أعيتهما بعد ذلك سُبُل الربط بين طرفي هذا الفصام.
والأمر في عامته أشبه بصُنْع محرك لتوليد الطاقة، وربطِ كل خيط في مكانه بالشكل الصحيح، ما عدا السلك الواصل ما بين المحرك والمصباح!
خطوة بسيطة وسهلة في الظاهر، لكن لا جدوى من كل شيء دونَها!
فلا يخفى أن التراث الحضاري لدينا من أكثر الثقافات الإنسانية الغنية بالنصوص الدينية والأدبية والفلسفية عن القيم والأخلاق وعوامل التحضر… وهلم جراً، لكنها في ذات الحين تعد اليوم من أفقر الحضارات إلى هذه القيم والمبادىء.
وكما أن الأسرة نواةٌ للمجتمع فإن الفرد بذاته هو النواة الأولى التي ينبثق عنها كل شيء؛ ومن هنا ينطلق الفرد من ذاته الضيقة للوقوف على كبريات المشكلات الاجتماعية؛ فالصورة الحضارية لا تعدو كونها لوحة فسيفسائية مركبة من أجزاء صغيرة تُعَدُّ بالملايين أو بالملايير، وكل منها متمركز في مكانه الصحيح، وأي قطعة تنحرف عن موقعها فإنها تحدث خللاً واضحاً في اكتمال الصورة، فما بالك بانحراف أغلب القطع!


إن وهم السير في الطريق الصحيح دون أخذ بأسباب من درجوا فيه وعُدَّتِهِم في ذلك، وكدِّهم ونصَبِهم يؤدي بنا إلى فشل لا شعوري، فنستغرب بعد ذلك أننا سرنا على نفس الطريق ولم نصل إلى نفس المكان!
ولن نُبعِد النُّجعة إذا قلنا إن هذه آفة ذوي الوعي والثقافة عندنا، حين يوقعهم الوهم في مغبَّةِ الخطأ؛ إذ يرون أن محضَ تحليل المشكلة ووصفِها هو بذاته حل لها وإجابة عن سؤالها، مع أنهم لم يتجاوزوا بعدُ العقبة الكبرى، فإن كلاًّ منهم بذلك يسبغ على فكره غشاوة من الوهم والخيال، شخَّصَها ذات يوم شاعر فقال:
(تَرْجُو النَّجَاةَ وَلَمْ تَسلُكْ مَسَالِكَهَا إِنَّ السَّفِينَةَ لَا تَجْرِي عَلَى الْيَبَسِ)
وعلى غرار وهم النجاة يكون وهم التَّعَب، حين نظن أن طاقتنا اليومية قد استفرغت عن آخرها في العمل أو الدراسة، فنخلد للفراش للنوم لنزيد ثلاث ساعات أو أكثر مع شاشة الهاتف، ولا ندري من أين تجدد مورد الطاقة هذا!
ومن يحضر ندواتنا اليوم عن الإصلاح والتغيير وإعادة الأسس الفكرية الحضارية لبناء جديد لن يعدم من ذلك أحد نوعين:
مفكر متفلسف يملأ عليك ساعات من النهار بالنصوص والبحوث عن أسباب التخلف والانحدار في المجتمع، وعدم وعي هذا المجتمع بخطورة الأسباب والحلول وما تؤدي إليه ممارساته اللامعقولة من التهْلُكة.
وفي ختام الندوة يقوم المحاضر إلى زاوية أو مقهى قريب ليأخذ علبة سجائره المكتوب عليها بالأحمر “التدخين يقتل”!!
أو رجل دين معمماً يملأ المكان وعظا ونصوصاً سماويةً وكلاماً للأنبياء والصالحين، وترغيباً وترهيباً في العمل بمقتضاها أمراً ونهياً…
ثم تجره ذيول الكلام إلى منتصف الليل ولم يكلف نفسه مؤنة قطع كلامه ليصلي إحدى الصلوات في وقتها!!
إن أولى الخطوات لبث الروح في ما نعلمه ويدور في أفكارنا وتتعاوره ألسنتنا لا يكون إلا بأن يأخذ بها كل واحد نفسه ويصوغها في نمط حياة وممارساتٍ يومية عادية.
فالتعليم بالممارسة أشد تأثيراً بأضعاف المرات من محض الكلام والثرثرات، إذ اللغط والثرثرة فن يتقنه كل أحد، ويستجيد تنسيقه وتنميقه كل مفوَّه، لكن التحدي يظل دائماً رهين العمل والممارسة.
ومن الغريب فعلاً أن يكون الأمر محل تقدير وتنويه وإعجاب، حين يعمل أحدنا بما تقتضيه معلوماته كأنه أتى شيئا بعيداً عن موازين العقل والمنطق، مع أن ذلك في حقيقته إنما يبعث على الأسى والحزن نظراً لهذا الحضيض الذي صارت إليه المعايير وموازين القيم.
هذا؛ والحقيقةُ المُرّة أفضل ألف مَرّة من الوهم المريح.
وفي الأخير فإن القمة يا صديقي مكان صغير وضيق لا يُخْشَى فيها من الزحام لأن الغالب يتخطفهم العياء أو اليأس قبل الوصول.