قراءة في رواية رَواء مكة لحسن أوريد

220
أنا وصديقي عند كُتبي، وبيني وبينه نقاش حول ما الأفضل: الروايات المصرية أو المغربية؟ وكنت أميل للروايات المصرية، وعند الكتبي، بين الكتب رواية تجذب العين بغلاف أبيض مرصع بالذهب يتوسطه مربع أسود؛ ما إن تراه حتى تذهب بك الذاكرة للكعبة المشرفة، يرفعها صديقي في وجهي ويقول: هل قرأت هذه الرواية؟ أجيب بالنفي، ثم يضيف حاسما الجدال: “اقرأها أولا وافتح فاك”، أسأله: هل يملكها فأستعيرها منه فكانت رواء مكة. وكان الرواء رواءان، رواء للكاتب حسن أَوْريد، ورواء للقارئ أينما كان.
رواءٌ تأتي بمعنى عذبٌ كما جاء في لسان العرب لابن منظور، وماءٌ رواء أي ماء عذب.. ربما كان حسن أَوْريد الذي صال وجال في دهاليز الدولة، وهو الذي مع ذلك يرى على غرار أبي العلاء المعري ألا سلطان إلا العقل. ربما كان ضمآنا فاحتاج للارتواء وليس مجرد الشرب، فجرب المشروبات الروحية فلم ترتوِ روحه، بل زادت ضمأ على ضمأ.
“وفجأة، نعم، كما يتفجر من الأعماق تحول رواء انبجس من داخل نفسي” ما كان يبحث عنه حسن أَوْريد في الخارج كان في داخله، وصدق فيه قول ابن الرومي “ما تبحث عنه يبحث عنك.” فكان لا بد من الحج، “وهل تحسب الحج نزهة؟ هو هجرة” هكذا جاء في الرواية، التي لم تكن مجرد سيرة ذاتية عن رحلة لما يُسمى عندنا في المغرب “بالرحلات الحجازية” وحسب، بل رحلة وجودية للبحث عن شيء ما، “كان طوافي بحثا” كما جاء على لسان حسن أوريد، الذي كان يبحث عن شيء لم يكن هو نفسه يتيقنه بعد، وهو الذي كان حينها علمانيا وعقلانيا يرى أن كلام الرب لم يكن لينفذ إليه وهو متحصنا بدروع العلمانية لما كان يزور القداس الآحاد في الكنيسة بالولايات الأمريكية المتحدة ليأخذ اللغة الإنجليزية الراقية والصافية عن رجال الدين، والذي كان مسلما بالوراثة إذ يقول: “لم يعد الإسلام في حياتي إلا ذكرى، وإلا حنينا يستدر مني التوقير، لأنه دين آبائي وأجدادي”.
والذي يضفي على هذا الحج، وهذه الرحلة درامة أكثر، وكأنه قصة من قصص رحالات ابن عربي الباحث عن أواتده، أن هذا الحج كان عبئا ثقيل على الحاج نفسه، فلم يكن فرحا ككل مسلم يشتاق ليتم الركن الخامس من الإسلام، بل حاول التنصل منه وفرح على العكس من ذلك بضياع وثائق السفر، وحتى لما صار الأمر حقيقة لا مفر له منه، رآى حسن أوريد أنها ربما تكون هذه فرصة للقطيعة النهائية مع الإسلام، مستحضرا عالما أنتروبولوجيا حج فما زاده حجه إلا نفورا من الإسلام.
كان حسن أوريد في حجه باحثا أكثر من حاج، وفي وسط الحرم المكي وفي خضم كل شيء يقف الباحث ليسأل نفسه: “هل لكل ما أرى معنى؟” وهو تساؤل وجودي؛ فالكاتب ما زالت تجتذبه فلسفته الوجودية، ليجد في الأخير ما كان يبحث عنه ولكن “المسألة لا تدرك إلا بالذوق” ولذلك حتى الكاتب عجز عن التعبير عما وجده.. فاستعاضة عن ذلك بالفعل فقام يسير وسط الحشد الغفير وهو يردد بالفرنسية: “أنا مسلم.. أنا مسلم” في اتحاد وجداني بين العقل ذي التفكير الغربي الوجودي وبين القلب المؤمن والمطمئن والمرتوي.
“ووقع التحول في آخر لحظة..” وكانت كالوِلادة الجديدة، ويلخص لنا الباحث والرحالة حسن أوريد الرحلة الشاقة التي خاضها في سطر من الرواية: “وتحولتُ.. وأصبح لحياتي معنى” عبارة قد لا نفهمها إن لم نكن مطلعين على الفلسفة الوجودية، وقد نجدها عادية لكنها عميقة جدا. وسنفهم عمق العبارة أكثر عندما نقرأ ما نقله روجي جارودي عن أندريه مالرو في كتابه حفّارو القبور: “حضارتنا هي الأولى في التاريخ، التي إذا طُرح السؤال الأهم: ما معنى الحياة؟ أجابت: لا أعرف. على مدى قرن فشلت كل محاولات الإجابة”. لقد فشلت حضارة بأكملها وعلى مدى قرن من الزمان على أن تجد معنى للحياة، فأن يجد فرد واحد وفي رحلة واحدة معنى للحياة لهو الانتصار الأكبر والربح الذي لا خسارة بعده.
ويتضح أكثر أنه كان لا بد من مكة ليعود حسن أوريد للحضن الذي احتضنه وهو صغير، وتكون المصالحة مع النهائية الإسلام ويتحول الباحث “من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية” على حد وصف فيلسوفنا طه عبد الرحمان في عنوان كتابه “روح الدين” فاكتمل الرواء.. وارتوت الروح، وكان “رواء مكة” ليس كيغره من الرواء.
لقد جعلتني هذه الرواية أرى الحج من منظور مغاير تماما، وجعلتني أشعر وكأني أقف أمام الكعبة وكأني أطوف وأسعى وأرمي الجمرات، وأقوم بكل الشعائر، وازداد شوقي للحج. كما أعادت لي هذه الرواية الايمان بكتابنا ومفكرينا المغاربة، وجعلتني أفخر بهم أيما فخر وأتباهى بهم ولسان حالي قول الشاعر:
وما شرّف الأوطان إلا رجالها *** وإلا فلا فضل لترب على ترب
1xbet casino siteleri bahis siteleri