رباط إگضي!

بدا لي حسنا أن أقف عند لفظي العنوان قبل الشروع فيما أريد، حتى يرتفع اللبس عن قارئ العنوان. فأما الرباط فيطلق ويراد به: المواظبة على الأمر. وأما إگضي فهو اسم (دوار) قرية سوسية تقع في قبيلة أسيف أودرار، ضمن التراب الجماعي آيت إيسافن البعقيلية، بعيدة عن تزنيت بما ينيف عن 60 كلم عبر طريق أنزي.

إلى جانب هذه القرية تقع مدرسة عتيقة قرآنية علمية تحمل اسم القرية التي تدانيها. وهي مدرسة ضاربة في عمق التاريخ إذ يُحكى أنها شُـيّـِدَت في القرن السابع للهجرة. وقد تعاقب على تولي تحفيظ القرآن الكريم فيها وتعليم العلم الشرعي جلة من علماء سوس، من بينهم الفقيه المبرور سيدي الحاج إبراهيم ريس ونجله البار الفقيه سيدي الحاج عبد الله أطال الله بقاءهما وأدام نفعهما، وهما من يتولى التربية والتعليم بالمدرسة الآن. وعليه، فإني أنتحي بهذه السطور وصف المرابطة العبادية والعلمية التي اعتادها شيخا المدرسة مع طلبتهما كلما حل بهم شهر رمضان المعظم.

يشار إلى أن المدرسة تحتضن صنفين من الطلبة؛ صنف طلبة القرآن وصنف طلبة العلم، فأما الصنف الأول فَهَمُّهُم الأوحد إتقان كتاب الله لفظا ورسما، ولهؤلاء برنامجهم الخاص، لا يكاد يمتاز عما كانوا عليه قبل رمضان، إذ هم غير مشغولين إلا بحفظ الآيات وإتقان الرسوم، إلا ما يكون من اختيار بعض الطلبة من إيقاف الاستزادة في الحفظ، وتكرار المحفوظ بغية قَرَارِهِ.

وأما صنف طلبة العلم فهم الذين أتموا حفظ كتاب الله وضبطوا -ما وسعهم- رسمه، وحصلوا ما شاء الله لهم من متون اللغة والشريعة حفظا وفهما. وعليهم يكون اعتماد الفقيهين في إنجاز مرابطة شهر رمضان.

يبدأ يوم الطلبة جميعا في النصف الأول من شهر رمضان قبل أذان الفجر بساعة أو يزيد، فإذا حل النصف الثاني من شهر رمضان، فإن يومهم يبدأ بما يدنو من الساعتين قبل أذان الفجر لصلاة التهجد، فإذا فرغوا من تناول وجبة السحور، انقلبوا إلى المسجد لأداء صلاة الصبح فقراءة الحزب الراتب فإنشاد سبع من قصيدة الهمزية فتكرار نظم من الأنظام العلمية قليلة الأبيات، فالختم بالدعاء للحاضرين ولعامة المسلمين وولي أمرهم. فإن شاء الفقيه إرشادا أو تنبيها فعل، وإن شاء تركهم ينصرفون، لكن الغالب على الفقيه الأكبر سيدي الحاج إبراهيم هو إتحاف الطلبة بنوادره العلمية وتحفيزاته الهادية إلى اغتنام الأعمار واقتناص الفوائد.

ثم ينقلب طلبة القرآن إلى تكرار ما يحفظون أو يرجون حفظه، فلا يبرحون مجالسهم حتى يأذن لهم المحفظ في الراحة، وذلك بعد العاشرة والنصف. فإذا أُذِّن لصلاة الظهر صلوها ثم رجعوا إلى ما كانوا فيه إلى أن يُؤَذن لصلاة العصر، فإذا صلوها اجتمعوا على قراءة الحزب الراتب المسائي وإنشاد سبع البردة، فإذا فرغوا من ذلك انقلبوا إلى ما كانوا فيه من قبل من مراجعة المحفوظ، أو عرض الألواح ومحوها وكتابتها وتصحيحها. فلا يزالون كذلك حتى يؤذَن لهم بالانصراف قبيل أذان صلاة المغرب بيسير، كذلك يكون يوم طلبة القرآن، وذلك يوم غير يسير.

وأما طلبة العلم فيأخذون قسطا يسيرا من الراحة -بعد الفراغ من قراءة الحزب الراتب الصباحي ولواحقه- استعدادا للشروع في سرد كتب الحديث.

مقالات مرتبطة

الدهشة الزائلة

حكايا الطريق

يشار هنا إلى أن المدارس العتيقة بالقطر السوسي -وربما بغيره- درجت على تخصيص شهر رمضان لسرد صحيح البخاري سردا سردا بين يدي الشيخ، فلا يوقف الشيخُ الساردَ إلا إذا اقتضى الأمر توضيح غامض أو رفع إشكال.

وقد ارتأى فقيها المدرسة سرد ثلاثة كتب حديثية وهي الموطأ للإمام مالك (ت 179 هـ) وصحيح البخاري (ت 256 هـ) وصحيح مسلم (ت 261 هـ). كما رَأَيا أن يوزِّعا الطلبة إلى حلقات أربعة؛ ثلاثة تختص بسرد صحيح البخاري، وواحدة تختص بسرد الموطأ وصحيح مسلم.

قلت: وأما طلبة العلم فيأخذون قسطا يسيرا من الراحة -بعد الفراغ من قراءة الحزب الراتب الصباحي ولواحقه- استعدادا للشروع في سرد كتب الحديث ابتداء من التاسعة صباحا إلى حدود الساعة الواحدة بعد الزوال.

فإذا فرغوا من سرد ما شاء الله لهم من كتب الحديث، انقلبوا إلى بيوتهم يرتاحون إلى أن يؤذن لصلاة الظهر فيهرعون إلى المسجد لأداء الصلاة، فإذا قضيت الصلاة مكثوا في المسجد يستمعون إلى سرد الشفا للقاضي عياض (ت 544 هـ)، فلا يزالون كذلك إلى أن يؤذن لصلاة العصر، فإذا صلوها شرعوا في قراءة الحزب الراتب المسائي وما يتبعه من إنشاد سبع البردة وقراءة سورة يس فرادى ثم الختم بالدعاء.

ثم بعد ذلك يكون الطلبة في حل من أمرهم، فمن شاء أن يراجع أو يطالع فعل، ومن شاء إيثار الراحة فعل، ونَـدَّ أن يؤثر العقلاء منهم الراحة على الجد في أوقات الغُـنْـمِ.

فإذا جاء وقت الإفطار أفطروا، فإذا أذِّن لصلاة العشاء التأموا في المسجد لأداء صلاة العشاء والتراويح، وما أشد ما كان الفقيه يحرص على الطلبة أن لا يتهاونوا في صلاة التراويح، وأن لا يغادروا المسجد إلا بعد الفراغ من الذكر الذي تعاهده أهل سوس بعيد الفراغ من صلاة التراويح.

فإذا فرغوا من الذكر انفض جمعهم إلى وجبة العشاء، ثم من شاء بعد جد، ومن شاء تسامر أو هجع. كذلك يرابط فقيها المدرسة وطلبتهما، فلا تشاء أن تراهم متعلمين إلا رأيتهم، ولا تشاء أن تراهم متعبدين إلا رأيتهم. فإذا انسلخ الشهر الفضيل، انقلب أكثرهم إلى أهليهم مسرورين بما فتح الله عليهم من الذكر والفكر راجين أن يُتقبل منهم وأن تُطال أعمارهم إلى قابل.

1xbet casino siteleri bahis siteleri