ريان..ابن المؤمنين!

في ليلة فاتح رجب المحرم من عام ثلاثة وأربعين وألف من هجرة رسول الله ﷺ، بات أهل المغرب الأقصى وقلوبهم وجلة، كادت تبلغ الحناجر من هول ما عانوه جراء وقوع الصبي الشفشاوني ريان في بئر ضيق القطر، بعيد الغور بما ينيف عن ثلاثين متراً.

مكث الصبي في جوف البئر أياما من غير طعام ولا شراب، لا راعي له إلا من هو أرحم به من والديه. كان الوضع عسيرا، وكان العجز شديدا، وكانت العبرات تخنق العبارات، وكانت الشدة تبعث في النفوس قلقا عظيما، حتى كاد اليأس يستبد بها لولا التمسك بسبب الرجاء.

اقتضى ذلك الوضع أن ينبعث أولو الأمر لفعل ما يستطيعون، لكن استطاعتهم كانت أقرب إلى العجز باعتبار ما رافق عظيم الجهد المبذول من حذر خشية الوقوع في مهاوي التهور القاتل. لا صوت يعلو على صوت الحديث عن الصبي ريان، وكل حديث عن غيره يكاد يكون نشازا ولو كان ذا فائدة.

بات المغاربة في لهفة يترقبون، كأنما الصبي قطعة من كل واحد منهم، وبلغوا بحق مقام المؤمنين الذين هم كالجسد الواحد، الذي إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر. أصبح المغاربة صباح الخميس فاتح رجب على أمل إنقاذ الصبي، لكن رجاءاتهم سرعان ما استحالت خيبة جاثية على النفوس. كل ساعة تمضي تقضي بزيادة القلق وطول الأرق، ولا يملك المشتغل بحفر جانب البئر إلا أن يحفر بحذر، ولا يملك العاجز إلا الإلحاح ضارعا منكسرا على الله بالسؤال أن يربط على قلبَي والدي الصبي وأن يفرغ عليهما صبرا وأن يثبتهما وأن يسعدهما بابنهما.

مقالات مرتبطة

استبدت الشدة وامتدت ليوم الخميس تاما، حتى طالت نفوس أهالي بلدان أخرى، وبخاصة أهل الجزائر الخضراء، من بعد ما كاد حبل الوصل ينصرم بين أهل المغربين، ولكن الله سلم فشاء لأهل المغربين أن يستجيبوا لدعوة الدين القاضية بتوثيق العرى وسؤال الله كشف الغمة.

واقعة ريان كشفت أن الأوطان لا تقوم إلا على أكتاف الرجال ساكني أرض الخمول، الذين إذا أصابت وطنهم مصيبة هبوا لنجدته يبتغون من الله فضلا ورضوانا. واقعة ريان كشفت خبث بعض وسائل الإعلام المضللة الكاذبة المتطاولة، المدعية نزاهة هي عنها بمنأى بعيد، إعلام لا يرى الواقعة -ولو كانت مصيبة أو فضيحة- إلا وجبة دسمة لثراء غير مشروع، وشهرة فاتنة. واقعة ريان كشفت فداحة المسخ الذي طال فطر بعض الناس المنتهزين، الذين يستغلون بصلافة قبيحة مآسي الناس يقتاتون بها وعليها، فويل لهم مما كسبت أيديهم.

في ليلة يوم الأحد، تنفس الناس الصعداء، وسعدوا أيما سعادة بخروج الصبي من قعر البئر، كأنما أُعطي كل واحد منهم ما يرجو من هذه الدنيا. لكن…لكن مشيئة الله قضت بشيء آخر، شاء الله أن يختاره لجواره، والخير في اختيار الله، ولا اعتراض على قضاء الله، ولا نقول إلا ما يرضي الله: إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك بني لمحزنون.

 

اللهم اربط على قلبَي والدَيه وعلى قلوبنا، اللهم أفرغ على والديه وعلينا صبراً وثبتنا، اللهم ارزق والديه وإيانا رضا وسلوانا. رجاءات المؤمنين لنجاة الصبي، ثم حزنهم على فقدانه، وسع نطاق بنوته، فهو ليس ابن والديه الصبورين فحسب، بل هو ابن لكل مؤمن صادق رجا نجاته وحزن لوفاته وهو لا يعرفه.

1xbet casino siteleri bahis siteleri