الضغط الأبدي: البحث عن القيمة

212

مع اقتراب فترة الامتحانات وتوالي الضغوط النفسية من طرف العائلات والأطر التربوية وكذا ضغط الزمن اللامتناهي الذي لا يرحم، من انخرط معه في دوامة البحث والسعي وراء الظفر بشهادة أو دبلوم هو بمثابة تأشيرة الدخول لعالم مليء بالنجاح والتفوق والقيمة المطلقة المقدمة في طبق من فضة لكل من دق بابه، هذا العالم الذي يرفض أهله الأخطاء والعثرات، لمجرد نسيانهم أن الخطأ وإعادة المحاولة هما مفتاحا باب النجاح في الحياة، فهل يحق للجميع أخذ بادرة تقييم كل من مر أمام أعينهم وفقا لمعايير لا تخضع لا لقانون عادل ولا لشرع منصف؟ ومن أين استمد الإنسان حق محاسبة أخيه الإنسان على كل صغيرة وكبيرة؟

كل هذا يدفعنا إلى التساؤل عن مدى الضغط الممارس على المتعلم من طرف الجميع بغية حصد الشهادات الدراسية والديبلومات وألقاب التميز، الأمر الذي يربط قيمة الشخص وأهميته بأوراق وتأشيرات ورقية، ومن تم يأتي ذلك الضغط الأبدي الذي لا ينتهي بهدف الحصول عن قيمة اجتماعية تخول للشخص الانخراط في المجتمع والعيش في أحضانه بكرامة.

لطالما أثبتت لنا الحياة نجاعة اللامبالاة والتجاهل واستقلالية الذات، التي تعد بمثابة مفاتيح باب النجاح والتفوق. فلا تسمح لأحد أبدا أن يقيمك وفق منظوره أو يقزمك أو يبخس مجهوداتك في أن تكون شخصا أفضل مهما كانت مكانته أو قيمته. نحن مسيرة عمر من الأخطاء والعثرات والتعلم ومحطات الحزن الطويلة وثواني الفرح القصيرة. نموت ولا زلنا نتعلم ومن قال العكس كاذب أو مدعٍ أو هما معا.

لا تسمح لأي كان أن يحدد قيمتك لأنه -بكل بساطة- لم يخض كل المعارك التي خضتها لتثبت نفسك وتتخطى مخاوفك وجهلك وضعفك ولتتحدى العالم بأسره لغاية وحيدة وهي إثبات كيانك. لا تعط لأحد فرصة التنمر على أحلامك التي أخذت منك ساعات، وأيام، وشهور بل وسنوات لترتبها في ذهنك، أو حق أذية منجزات لطالما سعيت لتحقيقها ولو كانت بسيطة… أنت من يحدد شخصك فقط وليس الآخرون مهما كان دورهم وأهميتهم في حياتك حتى ولو كانوا أقرب الناس إليك، لأن لا أحد منهم يحس بما تحس ولا أحد سيحيا حياتك ولا أحد سيعيش ظروفك غيرك أنت. فإذا أردت أن تسعد حياتك وتنجح فيها عشها كما يجب أن تعاش وفقا لإمكاناتك وقدراتك، ولا تحاول أبدا مقارنة طريقة عيشك بطريقة عيش آخرين رسموا طريق نجاح سلكوها من قبل لتحقيق ذواتهم، لأنك، وببساطة، لست مثلهم ولأننا مختلفون ومتباعدون ولكل منا خصائصه، ومميزاته، وقدراته وتجاربه الخاصة التي طبعت مساره ومحطات حياته.

من هنا، يمكن أن نستنتج أن سر الحياة مرتبط بحل معادلة معقدة تتداخل فيها عدة مجاهيل متشابكة ومتماسكة لعل من أبرزها وأهمها: السعادة، والنجاح، والمستقبل، وتحقيق الذات والحصول على القيمة…هذه المعادلة التي مهما وجدنا لها حلولا تبقى دائما غير قابلة لحل مطلق يوصلك لخط النهاية ويبلغك قمة لطالما سعيت لمعانقة هوائها، بل إنها تخضع لحلول نسبية راجعة لما تتوفر عليه من إمكانيات وقدرات عملت على صقلها طيلة مدة لا تحدد بسهولة، ومعطيات أنت من يضعها ويسخرها لصالحك أو ضدك أحيانا إذا أسأت الاختيار وجهلت قواعد المنطق…إنها معادلة حياتية وضعت لتقدم لك إمكانية اللعب بمجاهيلها خدمة لك فقط وليس للآخرين؛ لأن لكل منا معادلته الخاصة يخوض طيلة حياته غمار حلها المتمثل دائما في القيمة المبحوث عنها، وفك لغزها وغموض مجاهيلها.

لا يمكن أن ننسى كل تلك المعايير الوهمية التي يدعى أنها وسائل فعالة لتحديد مستوى الشخص وقيمته سواء الفكرية أو العلمية أو المهاراتية؛ من قبيل الشهادات الدراسية والديبلومات التي، وللأسف، لا تساهم إلا في تقزيم الشخص وإفقاده الثقة في نفسه وقدرته على بلوغ أهدافه وتحقيق أحلامه.

بالنسبة لي، ما يجعل الإنسان ذا قيمة هو امتلاكه لثقة كافية تؤهله لرفض كل الانتقادات اللاعقلانية من طرف الآخرين، التي لا تزيد الطين إلا بلة؛ إذ تسعى لهدم الذات وإفشالها، بل وإفقادها قيمتها. من هنا عزيزتي، عزيزي القارئ، يتضح أنه من الضروري أن تعيش كما يحلو لك ووفقا لقدراتك الخاصة، ولا تربط أبدا قيمتك بتلك المقدمة من قبل الآخرين، عش الصعب كأنه نقمة في طيها نعمة، دع الماضي وراءك وعش الحاضر مهما كانت اللحظة، لحظة فرح وسرور أو لحظة حزن وتعب، ولا تنسَ الإعداد لمستقبلك بعيدا عن كل ضغوط المجتمع والحياة، وفقا لما يتوفر لديك من إمكانيات حتى لا يمر عمرك وأنت تبحث عن إرضاء الغير والجري وراء الأوهام الأبدية.

1xbet casino siteleri bahis siteleri