حياة من دون ألم..المعادلة المستحيلة

162
وجد الإنسان نفسه في هذه الحياة على هذه الكرة الأرضية، وسط أسرة لم يخترها، ورقعة جغرافية فرضت نفسها عليه؛ فهو كائن خاضع لنوع من الحتمية الطبيعية التي يخضع لها كل فرد، ويذعن لها كل مخلوق مهما كان.
إن منطق هذه الحياة غريب أشد الغرابة، فالأغنياء يزدادون غنى ومنهم الكادحون والسارقون، وفي الآن نفسه يزداد الفقراء فقرا ومنهم المظلومون والمتهاونون. وفي كل هذا هناك من حظه مثل حظ قارون الذي أبهر قومه بالذهب والأموال الطائلة، وهناك من حظه مثل حظ أبي العلاء المعري الذي عاش أعمى البصر سيء الحال في وضع لا يحسد عليه، مما جعل الناس يشفقون على حاله ومآله.
أغلب الناس يتمنون العيش في مكان هادئ سعداء لا تعتري حياتهم أي نكسة، ولا تنغص على معيشتهم أي معاناة وآهات لا يجدون لها صبرا ولا دفعاً. لكن منطق الحياة التي نعيشها مختلف عن هذه الأحلام الوردية التي نصنعها في أذهاننا ونرسمها في مخيلتنا، وتعززها الأفلام السنيمائية والمسلسلات الأسطورية، فقد كانت سقطة المثاليين مدوية عندما تعرفوا على الفلسفة الواقعية، وما تخبئه الحياة من مفاجآت سعيدة وحزينة لم يكونوا ليتصوروها حتى أدركوها.
الإنسان في هذه الحياة لا يمكنه العيش سعيداً للأبد ولا حزيناً للأبد، لأن حاله متقلب بين الحزن والفرح وبين السعادة والقلق، وقد أخطأ الفلاسفة المتشائمون الذين رأوا الحياة بالمنظار الأسود، فما هي عندهم إلا سلسلة من الآلام اللامتناهية والأحزان المتكررة.
إن الحياة مزيج من اللذة والألم، والفرح والتعاسة، فلا يوجد إنسان يخضع للقوانين الطبيعية يمكنه أن يخرج عن هذا، لذلك على المرء أن يستوعب ألمه سواء أكان هذا الألم نفسياً بين أحشائه أو عضوياً في أعضائه المحسوسة، فإذا استوعبه عليه أن يتجه إلى مصدره ليقلل منه أو ليقضي عليه إذا كان ذلك ممكناً.
جميع الناس يذوقون قسطاً من الألم والمعاناة في هذه الحياة، بل حتى الأنبياء والرسل -عليهم السلام- الذين اصطفاهم الرحمان تعرضوا لشتى أنواع السب والشتم والضرب والأذى، وأصيبوا بأنواع من الأمراض البدنية، مما يبين أن الألم والمعاناة من صميم هذه الحياة الدنيا القصيرة والقاصرة.
من زاوية أخرى لو تخيلنا الحياة التي نحياها من دون ألم ومعاناة؛ كيف يكون طعمها؟ لا شك أنها ستكون رتيبة جداً ومملة إلى حدود لا متناهية، فهذه الأشياء بقدر ما هي مؤلمة ومكروهة من طرفنا إلا أنها تعطي ذلك الطعم إلى الحياة، فهي إذا بمثابة الملح في الطعام، والتحديات هي ما يصنع الإنسان الذي يقوي نفسه ويساعد غيره.
فمن هنا، يحتاج المرء إلى أن يتعايش مع هذه الآلام والمعاناة ويتأقلم معها اضطراراً؛ لأنها من صميم الحياة فلا توجد سعادة من دون شقاء، وقد لخص الشاطبي رحمه ذلك بقولته البديعة: “لا وجود لمصلحة خالصة، وما من مصلحة إلا وفيها مفسدة، وما من مفسدة إلا وفيها مصلحة.” وهذه القاعدة الأصولية تنطبق على سائر أركان الحياة، فقلما تجد شيئاً فيه لذة خالصة من دون كدر وألم وشقاء.
والأمثلة على ذلك كثيرة وعديدة؛ فلكي تظفر بالمال تحتاج إلى التعب في العمل، ومن أجل أن تحصل على شهادة دراسية بميزة حسنة عليك بالسهر وإرهاق العقل بالتفكير والعمليات الذهنية المعقدة، ولكي تقوي جسدك وتبرز عضلاته عليك بالتمرن اليومي القاسي والصارم، ولكي تُربي ابنك تربيةً حسنة عليك أن تختار ألفاظك وأن تطور مخزونك التواصلي وتواصلك العاطفي.
الحياة وضعها الخالق وفق هذا المنظور، فلا يمكن إزالة الألم والمعاناة من حياتنا قطعاً، وإذا كان الأمر كذلك؛ فلا سبيل عند الإنسان سوى التقليل من معاناته عن طريق تجنب ما يضره والسعي نحو ما ينفعه، فكل طريق يؤدي إلى المضرة فهو حتماً سيولد ألماً ومعاناة، بل حتى الأشياء النافعة قد تولد للمرء المعاناة في بعض الأحيان.
إن الحياة درسٌ متصل الحلقات، لا يتوقف إلا بتوقف النبضات، ولا بد لنا أن نعيش حلقة اللذة وحلقة الألم في صيرورة مترابطة، فهذا هو ما يُعطي للحياة طعمها ومعناها.
1xbet casino siteleri bahis siteleri