لماذا نكتب؟

لا يوجد كاتب لم يسأل نفسه لماذا أكتب؟ إما بطريقة واعية أو مرّ على ذهنه في لحظة من لحظات حديث النفس الخاصة. وتختلف الأغراض من الكتابة باختلاف الكتاب، وعدد أغراض الكتابة بعدد الكتاب أنفسهم. تقول القصة أن شخصا قال للفيلسوف البريطاني الشهير برنارد شو أنا خير منك، فأنا أكتب باحثا عن الشرف وأنت تكتب باحثا عن المال، ليرد برناند شو: “كل يكتب باحثا عما ينقصه” وتبقى الكتابة واحدة من أفضل العلاجات التي قد يلجأ لها الشخص، بشرط أن تكتب لنفسك أولا ثم للعالم.

لكن، لا يوجد أي معنى في أن تكتب عن معاناتك، فينظر إليها العالم على أنها تحفة فنية أدبية وينساب في جماليتها وينسى معاناتك، أو أن يُنظر لنصك على أنه نص أدبي ركيك لا يرقى للمستوى. فلا هم قدروا معاناتك وأحاسيسك، ولا هم احترموا مجهودك في بثها والإفصاح عنها، والإفصاح عن الألم ألم آخر. ثم تجد نفسك بين نارين، فلا أنت قادر على الإفصاح ولا أنت تستطيع الكتمان. تجبرك الحروف وتغريك، ربما هذه المرة تجد من يقدر أن يغوص في المعنى، فيكتشف معاناتك ويتفهمها ويحتويها.. تكتب مرة أخرى بلهفة وبأمل، هذه المرة سأنجح، هذه المرة سأكتب نصا أدبيا يحرك المشاعر، ويلهم الناس، ويبث الحماسة. لكن ما تلبث أن تتكرر النتيجة نفسها..

مقالات مرتبطة

صرخة شعب

نحن لسنا روبوتات!

الألم قاعدة

قال أحدهم إن الكاتب يموت عند كتابته، لكن الحقيقة أنك تموت قبل أن تكتب، تموت عندما تقرر أن تفصح وبكل برود عن مشاعرك، تفصح وأنت تعرف أن لا أحد يهتم ومع ذلك تستمر في الإفصاح. هذا مع فرض أنك تجاوزت ما أسماه مايلز هارفي حبسة الكاتب، التي تجد نفسك فيها بين الفينة والأخرى، حيث يعصيك القلم ويَشق عصا الطاعة، ويصير خارجيا ولا يأتمر بأمرك.

الكتابة ليست بتلك السهولة التي يعتقد البعض، أو كما قال إرنست همنغوي: “الكتابة سهلة، كل ما عليك فعله هو أن تجلس أمام الآلة الكاتبة وتنزف”. فهل أنت مستعد للنزيف؟ تقول الروائية المصرية رضوى عاشور في إحدى محاضراتها عن روايتها الشهيرة “ثلاثية غرناطة”: أن النص الإبداعي لا يأتي اختيارا بل يمليه مركب من العناصر. وتضيف “فالكتابة في تقديري فعل معلق بين التلقائية والقَصدية، غير الموعى به والموعى به تماما، اللعب والضرورة، بساطة التعبير ومشقة البناء، ما يهبط على الكاتب في ومضة إلهام وما يحيره ويضنيه ويبحث له عن حل كأنه تلميذ يشقيه حل مسألة في الحساب”. وأنت ككاتب ملزم بأن تمر بكل هذا، وبأن تنزف، مع كل حرف، تنكئ الجروح، وتضمدها من جديد، وتتداوى بالكتابة.

الكتابة قهرية على حد وصف ديفيد بانداكشي. وأغلب من يكتب، سواء أكان كاتبا مشهورا أو مبتدئا، يجد نفسه يُدفع للكتابة دفعا. نحن نكتب لأننا لا نستطيع ألا نكتب، نهرب للكتابة ونفر إليها مع كل أمر يعزونا وعند كل مشكل يواجهنا، نداوي أنفسنا ونطبطب عليها بالكتابة. ندخل ضعفاء ونخرج من الكتابة أقوى.. نحن أقوياء بالكتابة. وكثيرة هي المرات التي نجد أنفسنا نكتب ونحن لا نعلم لماذا نكتب ولكننا نكتب لأننا بحاجة إلى ذلك.

1xbet casino siteleri bahis siteleri