لا تأخذ مقاس غيرك!

188

نتأثر ببعضنا، نستفيد من تلاقحنا الفكري والعملي، نتبادل المصالح بيننا، نسعى إلى التعاون المثمر، كلٌ منا يبحث عن شيء ينقصه لدى الآخر، وكل هذا جاء نتيجة اجتماعية الإنسان وحاجته إلى أخيه الإنسان.

لكل إنسان خرج إلى هذا الوجود تجاربه الخاصة، بيئته التي ترعرع فيها، تربيته التي أخذها من أهله، تعليمه الذي أخذه من أساتذته، ظروفه التي مر بها، وتحدياته التي واجهها، وهذا ما يشكل خبرة كل فرد منا في هذه الحياة. فليس بالضرورة أن نسير على نفس المسار حتى نصل إلى نفس الأماني المرغوبة، والأحلام المحبوبة، والأهداف المطلوبة؛ فالقطار نفسه قد يغير وجهته مرات متعددة في اليوم.

صحيح أن هناك قواعد اتفق عليها العقلاء في كل عصر ومصر، تدعو الإنسان للسير عليها احتراماً للسنن الكونية وما وضعه الله فينا من استعدادات فطرية طبيعية، إلا أن التجارب الشخصية تختلف من إنسان لآخر، تبعاً لظروفه التي يعيشها، وفكره الذي بناه، وبنيته النفسية التي ترسخت لديه منذ صغره جراء عدد من المؤثرات الأسرية والمدرسية والمجتمعية.

نعيش في عالم يحب التنميط، يسعى إلى وضع كل واحد منا في مقاس قد لا يليق به ولا يرتاح فيه، يريد منه أن يتأقلم معه رغم عجزه عن ذلك. إن اختلاف الألوان، وتعدد الأنواع الحية، وتبدل الفصول السنوية، من أكبر الأدلة على نفي النمطية وشرعية الاختلاف بين البشرية.

مقالات مرتبطة

هذه الحياة لا تؤخذ بطريقة ميكانيكية تصلح لفلان كما تصلح لعلان، فقد يكون مقياس الحذاء الذي يلبسه عمرو لا يليق بمقاس زيد. إن منطق الحياة غريب أشد الغرابة؛ فهو متقلب وتتخلله مفاجآت عديدة لم تكن في الحسبان، كما أن القدر قد يأتي بأمور لا تخضع لميزان. فإذا علم المرء نسبية حياته وأنها لا تشبه حيوات الآخرين؛ تبين له بالملموس أن مقاسه مختلف عن مقاسات الآخرين، فقد يصلح له ما لا يصلح لغيره، وقد يوافق غيره ما لا يتوافق معه.

ومن حق كل واحد منا أن يبحث عن مقاسه المثالي الذي يرتاح فيه ويجد شغفه داخله، فهو الأعلم بحاله وظرفه ومآله المستقبلي، وكل ما يمكن أن يضيفه الآخر له قد يكون من باب النصائح النافعة والاستشارات الناجعة.

قد يتساءل أحدنا: لكني لا أعرف مقاسي؟ لذلك أبحث عن مقاسات قد تشبه مقاسي. ويمكن القول إن المقاس لا يقبل التقليد والتكرار؛ فهو واحد لا يتكرر، فرد لا يتعدد، لا يقبل التجزئة، ولا يخضع لقياس. فمن يعتقد أن مقاسات الآخرين قد تناسبه يكون كمن يلبس حذاءً أكبر من رجله أو معطفاً أقصر من يديه.

خذ مقاسك فهو رؤيتك في الحياة، وهدفك في الوجود، ونظرتك للأشياء، وطبعك في التعامل، وحبك لأمور، وكرهك لأخرى، وميلك لشخص، ونفورك من آخر، وعشقك لتخصص وهروبك من غيره، وولعك بهواية ونفورك من أخرى.

إنه ببساطة…أنت ولا أحد سيخبرك بمقاسك سوى نفسك وعقلك وتجاربك ومعاناتك.

1xbet casino siteleri bahis siteleri