قراءة في تاريخ الأوبئة بالمغرب: حوار مع الدكتور محمد نبيل ملين

596

في خضم محاولات الفهم للجائحة الصحية التي تضرب العالم بأسره، وكيف يمكن أن تؤثر سلبا أو إيجابا على السياسات العمومية للدول داخليا، وعلى علاقاتها فيما بينها خارجيا، فكّرتُ في استضافة أحد الباحثين المغاربة المتميزين والمتخصصين في التاريخ، وله إسهامات علمية في موضوع تاريخ الأوبئة خاصة، وهو الدكتور محمد نبيل ملين، لمحاورته لمدة ساعة من الزمن، حول تاريخ المغرب بشكل عام، وحول الوباء وتاريخه بالمغرب بشكل خاص، لغاية تبيُّن أثر العامل الطبيعي في مسيرة الأمة المغربية عبر التاريخ. وبعد مرور عدة أشهر على هذا اللقاء، والذي كان له صدىً طيب لدى المتابعين، عدتُ إليه وتأملتُ في مضامينه، فوجدتها تستحق أن تكون جزءا من المقالات، ولبنة من لبناته، لعمق صلتها بموضوعه، وللثراء المعرفي الذي ميَّز هذا اللقاء.

وقد قمت بإفراغه في هذا المقال، مع الحرص الكبير على إبقاء أفكار الباحث محمد نبيل ملين كما عبر عنها، باستثناء ما تقتضيه الصياغة اللغوية أو الأسلوب دون المساس بجوهر الأفكار. ولم أحاول توثيق هذه الأفكار من المصادر والمراجع، للثقة بأمانة ضيفنا من جهة؛ ولأن هذا العمل يقتضي جهدا مضنيا، لا أملك وقتا للقيام به من جهة ثانية؛ فضلا عن كونه يتطلب امتلاك أدوات معرفية ومنهجية، قد لا أَفِي بها، بسبب طبيعة تخصصي وبُعده عن مجال البحث التاريخي من جهة ثالثة؛ ولأن هذه قراءة تحليلية للدكتور ملين لمرحلة ممتدة من تاريخ المغرب وعلاقته بالوباء أكثر مما هي سرد للمعلومات التاريخية من جهة رابعة.

ومنهجي في اللقاء أنني كنتُ أطرح السؤال على د. محمد ملين، ثم أفتح له المجال ليُجيب، وقد جاء الحوار على الشكل الآتي:

س- الدكتور بوبوح: من خلال بحث سريع قمت به بخصوص موضوع لقائنا، وجدت أن المغرب من سنة 873 إلى 2011م قد مرَّ بعدة أوبئة، وصلت إلى ستة وأربعين وباء، بخلاف ما قد يُظن بأن الجائحة الإسبانية والكوليرا والطاعون الأسود هي الأوبئة التي قد عرفها المغرب؛ أي بمعدل 3.5 وباء في القرن. ما قراءتك لهذه المعطيات؟

ج- الدكتور ملين:

في الحقيقة تلك معطيات أولية. ولكن مما لا شك فيه أن وباء كورونا أو كوفيد-19 ليس أول جائحة يعرفها المغرب ولن تكون الأخيرة؛ ذلك أن المغرب عرف عبر تاريخه عدة أزمات بسبب الجوائح، أشهرها الطاعون والكوليرا والتيفوس. وحسب ما تخبرنا به المصادر التاريخية، فإن المغرب، من القرن الثاني عشر إلى القرن التاسع عشر، شهدَ مائة وأربعين جائحة. ومعلوم أن الجوائح تنتُج عنها المجاعات ومُخلّفات كثيرة، لا يبدأ وَقعُها وتأثيرها السلبي في الاندثار إلا بعد مرور وقت طويل. ومن خلال قراءة هذا الرقم إحصائياً، نستنتج أن المغرب كانت تضربه جائحة كل خمس سنوات!

غير أن هذه الكوارث كان تأثيرها عامّة محدودا في الزمان والمكان، باستثناء بعضٍ منها، يتراوح عددها بين أربعينَ (40) وخمسة وأربعين (45) جائحة ـ متنوعة بين وباء ومجاعة ـ كان تأثيرها واسعا على جميع الأصعدة.

س- الدكتور بوبوح: ما دلالة هذا الرقم الإحصائي الوبائي من المنظور التاريخي؟

ج- الدكتور ملين:

إن كان لهذا الرقم دلالةٌ ما، فهي أن الجوائح في تاريخ المغرب مثّلت على الدوام معطى بنيويا، ولم تكن مجرد أحداث عابرة أو عَرَضية. فقد كان الناس يتعايشون مع هذا الوضع، ويُؤرّخون لوقائع حياتهم بهذه الجوائح، حيث تحولت إلى تقويمات شعبية؛ فكان لدينا “عام الجوع”، وعام “أوقية بدرهم”، و”عام إيرني”، و”عام الثلجة”، و”عام الصندوق”، و”عام الدحيحة”، وغيرها. وآخر مجاعة حصلت في المغرب كانت في عام 1945م. وهو العام الذي له عدة تسميات في المغرب بحسب المناطق؛ فهناك من أطلق عليه “عام الجوع” وهناك من يسميه “عام بوهيوف” وهناك من يسميه “عام البون” الخ.

س- الدكتور أيمن: حين نتحدث عن تاريخ المغرب، ماذا نقصد بالضبط؟ تاريخ المغرب بأي معنى؟ متى يبدأ؟ وما المعيار الذي نعتمده في تحديد بداية التاريخ من نقطة زمنية معينة؟

ج- الدكتور ملين:

قد تبدو مقاربة هذا السؤال محيرة، لأنها سهلة من جهة، وصعبة في نفس الوقت. ومع الأسف، فإننا حين نتحدث عن تاريخ المغرب، لا نتحدث عنه كعلم من العلوم الاجتماعية، له قواعد ومناهج للتفسير والتحليل، بل معظم من يتحدث عن تاريخ المغرب ينطلق من رؤية معينة، ومن أيديولوجية خاصة يُضخِّمها ويرى التاريخ في ضوئها. وبالتالي، فالتاريخ عنده يبدأ حيث تبدأ أيديولوجيته أو مشروعه السياسي؛ فالَملَكِيَّةُ في المغرب، على سبيل المثال، يبدأ تاريخ المغرب عندها مع إدريس الأول (تـ 795م)، المؤسس المُفترض للدولة الإدريسية في المغرب؛ ومن منظور الحركة الأمازيغية، يبدأ تاريخ المغرب مع المماليك الأمازيغية، والتي وصلتنا عنها بعض المعلومات والوثائق؛ وبالنسبة للحركات الإسلامية، فالتاريخ المغربي الحقيقي يبدأ مع الفتح الإسلامي مع عقبة بن نافع (تـ683م)؛ وفيما يخص التوجهات اليسارية، فيبدأ تاريخ المغرب عندها في القرن التاسع عشر، بالإضافة إلى أن بعض الأدباء والفقهاء الذين يرون أن عهد المرينيين يعتبر البداية الحقيقية والفعلية لتاريخ المغرب بالمعنى الدقيق.

وفي الحقيقة، فهذه السرديات ليست موضوعية، بل هي تعتمل تحت مظلة ورهانات أيديولوجية. هذه الأخيرة هي التي تحدد متى يبدأ التاريخ ومتى ينتهي؟ لكن بحثَ المسألة علميا وموضوعيا هو أمر معقد؛ لأن التاريخ عبارة عن الماضي البشري بكل تعقيداته، فلا يمكن اختزاله في طيف أيديولوجي أو مشروع سياسي أو حلمٍ طوباوي. فكل فترة من تاريخ المغرب لها خصوصيتها ولها مصادرها، وتقتضي منا الأمانة العلمية دراستها منهجيا بطريقة موضوعية، بعيداً عن أية رهانات أيديولوجية. وعلم التاريخ علم متنوع ومعقد، وهذا يفرض بالضرورة وجود وجهات نظر مختلفة حول تاريخ الناس الذين عاشوا في بلاد المغرب، والتي لم تكن تسمى بهذا الاسم على طول تاريخها. فالتاريخ هو أن تدرس كيف كان الناس يعيشون في فترة من الفترات، وكيف كانوا يَتديَّنون، ويتواصلون، ويتزوجون، وكيف ينظمون علاقاتهم فيما بينهم (…)، دون اعتبارهم بالضرورة أجدادنا أو أشخاصا لنا بهم صلات وطيدة.

إن التاريخ هو البحث في الثابت والمتغير، وفي المسكوت عنه والمخفي، لمعرفة كيف نتج عنه هذا الحاضر الذي نعيشه، وإن كان هذا الأخير لا يستلزم بالضرورة وجود علاقة بينه وبين الماضي.

س- الدكتور بوبوح: حين أقرأ بعض أبحاثك، أجد أنك تؤرّخ للوباء في تاريخ المغرب ابتداء من العام 873 للميلاد. لماذا الشروع في التأريخ لهذه الظاهرة من هذه السنة بالضبط؟

ج- الدكتور ملين:

يرجع السبب إلى أن المؤرخ مقيد بالمصادر وبالوثيقة التاريخية؛ فحيث توفرت الوثيقة وُجدت المشروعية لعمل المؤرخ، فينبري لتحليل المعلومة وتفسيرها وربطها بسياقها والبحث في الآثار المترتبة عنها، وإذا لم توجد الوثيقة فلا يمكنه اختلاق المعلومة من خياله. نعم، أقدم المصادر التاريخية تُخبرنا عن وقوع وباء في القرن الثالث الميلادي في غرب البحر الأبيض المتوسط، ووقع وباء آخر في القرن السادس يسمى طاعون جوستينيان. ولكن أقدم مصدر تاريخي محلي يبدأ بالوباء الذي وقع في القرن التاسع الميلاد، وبالضبط سنة 873م.

غير أن الفترة التي يمكن أن نعطي عنها تفاصيل أكثر بالتحليل والتفسير، هي الفترة الممتدة من القرن الثاني عشر إلى القرن التاسع عشر؛ أي من بداية الدولة الموحدية في سنة 1130م إلى سقوط المغرب تحت وطأة الاستعمار الفرنسي-الإسباني سنة 1912م. بمعنى آخر التاريخ الذي يُغطي مسار الدول التي تعاقبت على حكم المغرب في هذه الفترة، وهي:

  • الدولة الموحدية؛
  • الدولة المرينية؛
  • الدولة الوطاسية (وكل الإمارات والكيانات المعاصرة لها)؛
  • الدولة الزيدانية المعروفة بالسعدية في التاريخ الرسمي؛
  • الدولة العلوية، والتي لا زالت تحكم إلى الآن.

س- الدكتور بوبوح: هل يمكنك أن تعطينا لمحة عن الأوبئة التي عرفها المغرب في ذلك التاريخ الممتد لفترة تزيد على سبعة قرون؟ مع التركيز على تلك التي أحدثت تغييرات سياسية واجتماعية؟

ج- الدكتور ملين:

قبل أن أجيبك عن هذا السؤال، أريد أن أُبين أولا: لماذا كانت تسمى هذه الكوارث الطبيعية بالجوائح؟

إن “الجائحة” في اصطلاح الفقهاء والأدباء والفلاسفة والأطباء في القرون الوسطى تعني “كارثة طبيعية تَحدُث للإنسان، ولا يد له فيها، ولا يملك تفسيرا لحدوثها في الغالب”. وهذا النوع من الجوائح يقسم إلى مجموعة من الأصناف؛

  • الأوبئة، وأهمها الطاعون، وأنواع أخرى: مثل الزهري، والكوليرا، والنَّزلات، والأمراض الأخرى المعدية التي تنتشر بسرعة؛
  • الزلازل والبراكين والريح والأعاصير؛
  • وبالإضافة إلى ذلك، هناك المجاعات، والتي كانت تنتج إما من توالي سنوات الجفاف وقلة التساقطات أو من هجوم الجراد؛ حيث ينتج عن ذلك قحط كبير يتسبب في مجاعات كارثية. ويلاحظ في تاريخ المغرب أن الوباء غالبا ما تنتج عنه مجاعات أو يتزامن معها. وحين يجتمع الوباء مع المجاعة، في وقت واحد، تكون النتائج وخيمة وكارثية للغاية.

وقد كان الطاعون الجارف أو الطاعون الأعظم ـ ضمن هذه الكوارث ـ هو أهم وباء ضرب المغرب. ويسميه الأوروبيون بالطاعون الأسود، وهي جائحة صحية اجتاحت البحر الأبيض المتوسط بين سنتي 1348 و1352م. وكانت له نتائج كارثية على المنطقة بأسرها.

ففي المغرب على سبيل المثال، كان عدد السكان، في سنة 1348م، حوالي خمس ملايين نسمة. ويقدّر المؤرخون أن المغرب في هذه الفترة، بسبب الجائحة المذكورة، فقدَ نسبة 30% إلى 50% من عدد سكانه؛ أي ما بين 1.5 مليون إلى 2.5 مليون نسمة. وهي كارثة عظمى بكل المقاييس! هذا الوباء كان سببا في وقوع انهيار حضاري حقيقي، بعد أن انهار الاقتصاد وانخرم الصرح السياسي، وفُقدت القيادات والنخب، وتحولت الدولة المرينية القوية إلى كيان مترنح. وقد كان ابن خلدون (تـ 1406م) وابن الخطيب (تـ 1374م) من أدق المؤرخين تشخيصا لحالة المغرب الكبير والأقصى خصوصا في هذه الفترة.

وبعد مرور قرنين، وقعَ وباء عظيم جديد في المغرب، بين 1521 و1524م، وكان متزامنا مع مجاعة قاسية، تسبب في وفاة حوالي 30% من سكان المغرب. وترتب عنه مرة أخرى نزيف ديمغرافي خطير. وكان ذلك من أسباب تقهقر المغرب في هذه المرحلة، رغم قربه من أوروبا التي كانت تعرف ازدهارا حضاريا في هذا الوقت.

إن الكوارث الطبيعية كان لها تأثير خطير على مسار المغرب؛ لأنها ببساطة كانت تقضي على عدد كبير من السكان، ولاسيما القوة العاملة. وكانت جميع الفئات والقطاعات تُـمَس بهذه الجوائح، بما في ذلك الجيش، والإدارة، والأدباء، والحرفيين، والفلاحين؛ وكانت تتسبب أحيانا في انقراض مِهن بأكملها وثقافة عملية ومهنية، وهذا كله مؤثر في مسيرة الأمم، وحاسم في تحديد مكانتها بين غيرها من الدول.

ففي القرن السادس عشر، ستعرف الفلاحة في المغرب تراجعا كبيرا في بعض المناطق، مثل الشاوية وعبدة ودكالة حيث كاد أن يندثر الفلاحون بعد أن توفي ثلث السكان. ويذكر بعض المؤرخين أن آلاف المغاربة اضطروا إلى اعتناق الديانة المسيحية هربا من الجوع والموت وانتقلوا إلى البرتغال وإسبانيا. وزاد الطين بلَّة أن المغرب في هذا الوقت كان مقسما سياسيا. وإن كانت الدولة الوطاسية تسيطر على بعض مناطق الشمال. ولكن عدم قدرتها على التعامل مع هذه الجائحة عجلت بسقوطها وبروز دولة جديدة هي الدولة الزيدانية – (المعروفة في التاريخ الرسمي بالسعدية).

وقد استطاعت هذه الأخيرة أن تتجاوز مخلفات هذه الكارثة، ونجح الأمراء الزيدانيون في كسب ود الناس، خاصة بعد رفعهم لراية الجهاد ضد العدو الخارجي (البرتغالي خاصة). وكان الفضل الأكبر في هذا للأمير الثاني للدولة الزيدانية أحمد حيث كان صاحب البصمة الأساسية في توحيد المغرب من جديد، وجعْل الناس يلتفُّون حول الإيالة الشريفة، قبل أن يستطيع أخوه محمد المهدي القضاء نهائيا على الوطاسيين، عشرينَ عاما بعد ذلك.

وبعد هذا التاريخ، يمكن أن نشير إلى طاعون آخر تزامن مع المجاعة وحروبٍ دامت تقريبا عشر سنوات، في الفترة الممتدة ما بين 1597 و1608م، قضَى فيه أيضا ما يقارب %30 من سكان المغرب نحبَهم. وقد وصلت هذه النسبة في بعض المدن إلى %80 كمدينة مراكش، التي كانت العاصمة السياسية للدولة الزيدانية. وسيكون هذا الوباء من جديد من الأسباب الرئيسة لسقوط الدولة القائمة بعد وفاة أحمد المنصور. لينهار البناء الكامل الذي بناه هذا الأخير وبَنتْه أسرته من قبله؛ حيث أصبحت البلاد مجددا خالية من النخب، مما نتج عنه مجموعة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وهو ما فتح الباب لظهور قوى جديدة فاعلة في المجتمع، كالزوايا ودعاة المهدية. ترتبت عن ذلك كله حرب طويلة، دامت لمدة تزيد على ستين عاما (1603 – 1666م).

وقد أثرت هذه الكارثة بشكل بالغ في مسار المغرب. فقد عرفت الدولة الزيدانية قفزة نوعية بالمقارنة مع الدول السابقة، حيث كانت لها إدارة مركزية وجيش نظامي وديبلوماسية محترفة، وتتمتع بكل مقومات الامبراطورية الحقيقية، وكانت تمثل بشارةَ تحول نوعي في تاريخ المغرب. إذ كان المغرب في سنة 1603م في نفس المستوى من التنظيم السياسي والمؤسساتي الذي كانت دول أوروبية وأسيوية. لكن بوفاة أحمد المنصور الذهبي سنة 1603 واستمرار الفوضى والحروب لمدة طويلة انهار كل شيء، وترتب عن ذلك أنْ وقع تفاوتٌ كبير بين الدول الأوربية والمغرب بعد هذا التاريخ، سينتهي في الأخير ـ كما سنرى ـ بوقوعه تحت وطأة الاستعمار كنتيجة نهائية لمسلسل هذا الضعف.

ومن الأوبئة الخطيرة التي بصمت تاريخ المغرب، أيضا، الوباءُ الكبير الذي وقع في عهد مولاي سليمان وبالضبط بين سنتي 1798 و1800م، حيث تسبب في خسائر فادحة، من بينها وفاة %20 إلى %25 من السكان.

ففي نهاية القرن السادس عشر، كان عدد سكان المغرب يصل إلى خمسة ملايين نسمة، وبسبب الأوبئة والمجاعات والحروب والتدخلات الأجنبية والتقوقع الثقافي، وإهمال العلوم الدقيقة، سيتراجع عدد سكان المغرب في 1800م إلى أقل من ثلاثة ملايين نسمة. وهو ما يعني أن الحالة الديمغرافية للمغرب تراجعت بنسبة %40، الأمر الذي كان له تأثير سلبي كبير على جميع الأصعدة. وبمقارنة المغرب مع بعض الدول، في هذه الفترة، سنتبيّن عمق هذا التأثير؛ ففرنسا في القرن السادس عشر كان عدد سكانها عشرين مليون نسمة، وعدد سكان إسبانيا عشرة ملايين نسمة، وأما في إنجلترا فكان عدد السكان المحليين أربعة ملايين، وفي الصين كان مائة وعشرين مليون.

وفي سنة 1800م، سيتحول عدد سكان فرنسا إلى ثلاثين مليون نسمة، وعدد سكان إنجلترا إلى إحدى عشر مليون نسمة، وعدد سكان إسبانيا إلى إحدى عشر مليون، وعدد سكان الصين إلى ثلاثمائة وثلاثين مليون نسمة؛ أي أن عدد سكان المغرب بأكمله كان يساوي تقريبا عدد سكان منطقة في فرنسا أو الصين أو اليابان أو الهند. ولذلك كان المغرب مجرد كيان ضعيف مُهترئ. وقد كان تراكم هذه الأوبئة من الأسباب الرئيسية في وقوع المغرب تحت وطأة الاستعمار.

نعم، هناك أسباب اقتصادية وعلمية وسياسية متظافرة، ولكن الجوائح أدّت دورا مهما في تاريخ المغرب، بسبب النزيف الديمغرافي التي تحدثه، وخسارة النخب والكفاءات، وخلو البلاد من أهلها -حتى أن الجواسيس كانوا يتنقلون في البلاد طولا وعرضا ولا يعترضهم أحد- وتراجع الأنشطة الفلاحية، وانخفاض نسبة التمدن، وغلبة طابع البداوة على الناس.

ولا أدلّ على هذا الوضع من الحادثة التي وقعت في سنة 1818م، حيث لم يجد السلطان مولاي سليمان من يتقن زخرفة رسالة ديبلوماسية كان يريد توجيهها إلى جهة ما، لأن جميع الصنَّاع التقليديين الذين كانوا يقومون بتزويق الرسائل وزخرفتها قد اندثروا بسبب الوباء. وهذا الضعف الشديد وانهيار المهن والحرف جعل بعض المؤرخين المسلمين كابن أبي الضياف التونسي (تـ 1874م) أو محمد عبده (تـ 1905م) يقولون إن الإيالة الشريفة كانت خارج التاريخ وضعيفة للغاية.

س- الدكتور بوبوح: ما موقع الجائحة الإسبانية من تاريخ الأوبئة بالمغرب؟ وهل لها من خصوصية؟

ج- الدكتور ملين:

في الواقع، لا نتوفر على إحصائيات دقيقة فيما يخص جائحة 1918م الإسبانية، وأثرها على المغرب وسكانه، ولا نستطيع أن نكوّن صورة واضحة أو رؤية مؤسسة على وثائق لما حدث في المغرب في هذا الوقت. والسبب في ذلك أن الناس كانوا منشغلين بالاستعمار الطارئ على البلاد، ولم يهتموا بالتأريخ لهذه الأحداث الطبيعية؛ حيث كانت معظم الجهات والمناطق ثائرة على الاستعمارين الفرنسي والإسباني، وكانت الأنظار كلها موجهة إلى هذا الجانب.
وبخلاف الجائحة الإسبانية، فإن لدينا بعض المعطيات عن أوبئة أخرى جاءت بعد الجائحة الإسبانية في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، خاصة الكوليرا والزهري والطاعون، قبل أن تقع آخر مجاعة كبرى عرفها المغرب، وهي تلك التي وقعت في نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي كانت من ورائها أسباب عدة، منها:

  • توالي سنوات الجفاف؛
  • سوء تدبير الموارد المائية والفلاحية من طرف السلطات الفرنسية؛
  • توجيه جزء من مخزون الطعام في المغرب إلى فرنسا وجبهات القتال، مما أدى إلى نقص حاد في المواد الغذائية، جعل المغاربة يلجؤون إلى بعض السلوكيات الشاذة والخارجة عما هو متعارف عليه، كأكل النباتات البرية (إيرني، البلوط، الخبيزة)، وأكل الجيف والحيوانات المكروهة. ويذكر بعض المؤرخين أنهم وصلوا في مرحلة ما إلى أكل لحوم البشر والموتى تحت ضغط غريزة البقاء.

س- الدكتور بوبوح: هل سبق للمغرب أن أغلق الحدود أمام الوافدين أو أغلق المساجد أو اتخذ تدابير شبيهة بهذه التي نعيشها اليوم في ظل جائحة كورونا؟

ج- الدكتور ملين:

من المؤكد أن ما نعيشه في هذه الأيام من حالة الاستنفار الجماعي، والشعور المشترك بخطورة الوضع وضرورة التعاون لتجاوزه، هو أمر غير مسبوق. لكن هناك بعض أوجه التشابه. أولها، أن معظم الأوبئة كانت تأتي إلى المغرب من الخارج،  ولم تكن بؤر الأوبئة محلية، حيث كانت تأتي غالبا من الموانئ الشمالية كطنجة وتطوان وسبتة، أو من الشرق عبر القوافل. وكان من بين التدابير التي اتخذها المغرب لمواجهة هذا الوباء هو إغلاق الحدود، وقد حدث هذا الأمر عدة مرات في تاريخ المغرب؛

  • المرة الأولى في عهد المنصور سنة 1583م، حيث سمع بوجود طاعون في الجزائر وإسبانيا، فأمر الجنود بغلق الحدود، وأوقف جميع التفاعلات مع الأجانب. وبفضل هذا التدبير، تفادى المغرب كارثة من الكوارث، التي كانت تضربه بشكل دوري؛
  • والمرة الثانية، في عهد مولاي إسماعيل سنة 1678م، حيث تم إغلاق الحدود أيضا بسبب الوباء؛
  • والمرة الثالثة والرابعة والخامسة، كانت في عهد مولاي سليمان، في سنوات: 1804 و1810 و1817م. وفي غير هذه السنوات المذكورة، لا تذكر المصادر أن المغرب قد لجأ إلى هذا التدبير رغم فعاليته.

والتدبير الثاني، الذي كان يتم اعتماده لمواجهة الوباء هو ما يعرف اليوم بــ “الحجر الصحي”، ويُفرض خاصة على الوافدين من الخارج، حيث كان يتم عزلهم في أمكنة مخصصة لهذا الغرض، عندما يُشك في حملهم لوباء معين، وذلك لمدة أربعين يوما. وقد كانت التطبيقات الأولى لهذا التدبير في المدن الإيطالية في البداية، في عهد الطاعون الجارف أو الأسود، وبالضبط في 1353م، وانتقل إلى مدينة البندقية حيث أصبح تدبيرا مؤسسا، وهو ما يسمى عندهم بالكارانتينا، وعُمم على مجمل أوروبا بعد ذلك.

ولكن الكارانتينا لم تُعرف في المغرب إلا في نهاية القرن الثامن عشر، وأول نص مغربي يتحدث عنها هو رحلة محمد بن عثمان المكناسي (تـ 1799م) المعروفة بـ الإكسير في افتكاك الأسير. فعندما كان هذا الأخير متوجها إلى إسبانيا، أجبرته سلطات مدينة سبتة المحتلة على الانعزال لمدة أربعين يوما. وقد تحدث عن هذا التدبير في كتابه المذكور دون أن يسميه بالحجر الصحي، بل حافظ على نفس التسمية الأصلية: الكارانتينا، وبين أنه تدبير يكشف عن المرضى، وأنه مما يحسُن بالمسلمين اعتماده في سياستهم، حفاظا على النفوس.

ومع مرور السنوات، سيصبح نفوذ الأوروبيين كبيرا في المغرب، وتزداد قوتهم شيئا فشيئا، وهو ما سيدفع قناصلتهم إلى تأسيس المجلس الصحي المغربي في طنجة، الذي كان النواة الأولى لأول سياسة صحية عمومية في المغرب بالمعنى الحديث. وكان من بين التدابير التي اقترحها هذا المجلس على السلطان أن يفرض حجرا صحيا على الوافدين، حمايةً للبلاد من الأوبئة. لكن السلاطين المغاربة في القرن الثامن عشر والتاسع عشر كانوا يرفضون الحجر الصحي، رغم أنه تم تطبيقه في بعض المرات فعلا؛ وذلك لأسباب سياسية، لأنه في نظرهم انتقاص من سيادة المغرب؛ واقتصادية متمثلة في ضغط التجار المغاربة الذين كانوا ينشطون في التهريب خاصة؛ وأسباب دينية، حيث كان أغلب العلماء المغاربة يعتبرون الحجر الصحي بدعة كُفرية، لأنه إخلال بعقيدة القضاء والقدر، ومخالفة لحديث: “لا عدوى ولا طيرة”.

زد على ذلك الأسباب الشخصية في حالة ما إذا كانت السفينة تحمل على متنها شخصية نافذة، كأبناء السلاطين، كما حدث في عهد مولاي سليمان. فبعد أن رَسَت سفينة للحجاج على ميناء طنجة، طلب الأوروبيون أن يخضع كل من فيها للحجر الصحي لكن العاهل رفض لأن ابنيه مولاي عمر ومولاي علي كانا على متنها. كما أن تجار فاس خاصة كانوا يضغطون عليه خوفا من الإضرار بتجارتهم. هذا فضلا عن فتاوى رجال الدين. وكانت النتيجة أن 25% من سكان طنجة قضوا نحبَهم بسبب الوباء.

س ـ الدكتور بوبوح: في حديثكم عن تاريخ الأوبئة في المغرب، وعن بصمتها وأثرها على مسيرة المغرب عبر التاريخ، ذكرتُم بعض المحطات التي مثلت لحظات “ازدهار” تاريخي بالنسبة للمغرب. فما هي أهم هذه المحطات؟

ج ـ الدكتور ملين:

في الواقع، نستطيع أن نشير إلى عدة محطات، يمكن اعتبارها مراحل “مزدهرة” بالمقارنة مع السياق التاريخي الذي كانت فيه، ولعل أهمها ثلاث مراحل كبرى:

أولا: أول فترة ازدهار حضاري عرفها المغرب كانت زمن الموحدين؛ ذلك أنه كان لهم مشروع حضاري متكامل، واستطاعوا تكوين إمبراطورية مترامية الأطراف في القرن الثاني عشر. ولعل أهم ما مَيز الدولة الموحدية أنها كانت دولة مركزية، لها أيديولوجية واضحة المعالم وسياسة يمكن أن نعتبرها عمومية لاسيما في المجال الصحي. إذ عمل الخلفاء على تشييد البيمرستانات وضمان حدّ أدنى من العلاج لسكان التجمعات الكبرى ورعاية الأطباء إلخ.

ثانيا: الفترة المرينية، وخاصة في عهد أبي الحسن وولده أبي عنان حيث عرفت هذه المرحلة طفرة حضارية كبيرة في المغرب، لاسيما من الناحية الدينية. وقد بدأت مقومات الشخصية الدينية المغربية تتبلور خصوصا في المجال الديني والأدبي والهندسي وحتى المعاشي (اللهجة، الملابس، الطبخ، إلخ).

ثالثا: فترة أحمد المنصور الذهبي، وهي فترة مؤسسة في تاريخ المغرب، وأقصد هنا المغرب كدولة قطرية. والمنصور الذهبي هو المؤسس الحقيقي لما يسمى بالمخزن، مع أنه عاش في فترة حرجة من تاريخ المغرب، أصبح فيها محط أطماع الغزو الأجنبي البرتغالي والإسباني من جهة، والعثمانيين من جهة أخرى. لكن بسبب هذه التحديات، نشأت الدولة المغربية المركزية الاحتكارية، وكانت تعتمد أساليب متطورة في الإدارة، مستوحاةً من التقاليد العثمانية والأوروبية والمحلية. هذا المزيج الثقافي نتج عنه ما يعرف بالمخزن بكل خصائصه وطقوسه وتمثلاته. وفي هذا العهد أيضا، ترسخت ملامح الشخصية المغربية شكلا ومضمونا بشكل نهائي. وقد كان أحمد المنصور ينوي تأسيس صناعة محلية، بدأها بتحويل الشمندر السكري إلى السكر، الذي كان وقتئذٍ مادةً حيوية تؤدي دورا رئيسا في التجارة الدولية، كما كانت له مطامح توسعية، حيث قام بغزو السودان الغربي. وفي آخر عهده كان حلمه استرجاع الأندلس، ثم غزو أمريكا بالتنسيق مع إليزابيت، ملكة بريطانيا.

لكن في 1603م، مات أحمد المنصور، وماتت ملكة بريطانيا إليزابيت بعده بأسابيع، وانهار هذا الحلم بالنسبة للمغرب. واستمرت بريطانيا في تقدمها المؤسساتي، في حين لم يستطع المغرب أن يواصل هذا المسار التقدمي. وبعد مرور قرن، استطاعت بريطانيا أن تصبح القوة العظمى في العالم، وتقهقر المغرب أشواطا إلى الوراء.

س ـ الدكتور بوبوح: ما هي الخصوصية التي يمكن أن تكون للوباء الحالي مقارنة مع الماضي الوبائي للمغرب؟ وما التأثير الممكن لهذا الوباء اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا في المستقبل؟

ج ـ الدكتور ملين:

أولا، هذا الوباء -كما ذكرت- هو حدث جديد بكل المقاييس، لا بالنسبة للمغرب ولا بالنسبة لغيره. فلأول مرة، يُجمع العالم على أننا نعيش حدثا استثنائيا، وهذا أمر ليس له نظير في التاريخ البشري.

ثانيا، بالنسبة للكثير من المغاربة، كشفت هذه الجائحة عن وجود نواة (أقول نواة) دولة حديثة تتبع مساطير محددة بغرض تحقيق المصلحة العامة رغم كل المعيقات والانزلاقات المرتبطة أساسا بطبيعة النظام السياسي المحلي. فعلى سبيل المثال، يتم تدبير كارثة بهذا الحجم دون اللجوء إلى المصوغات الدينية والحلول التقليدية. إذ تم الاعتماد شبه المطلق على الوسائل الفكرية والمؤسساتية المنبثقة عن الدولة الوطنية. فأغلب التدابير المتخذة لمواجهة الوباء وتداعياته تمّ ربطها بمصطلح محوري عن قصد أو غير قصد: المصلحة العامة [مصلحة الوطن والمواطنين]. ونشعر أنه، لأول مرة، سيكون المواطن في قلب اهتمامات السلطة المركزية، وهذا شيء مهم للغاية ينبغي البناء عليه للمستقبل رغم “الانتكاسة” المرحلية التي يعرفها البلد في بعض المجالات المهمة كالتضييق على حرية التعبير وإضعاف المشهد الحزبي إلى غير ذلك.

وأهم شيء، في تقديري، أن ندرك أن المغرب الحالي هو نتاج الحراك المعاصر: نتاج الثورة الصناعية، وفكر الأنوار، وتعميم الفكر الرأسمالي، والتطور التكنولوجي، والدولة البيروقراطية، أكثر مما هو استمرار للتاريخ المغربي القديم؛ بل ينبغي أن نعتبر أنفسنا كيانا اجتماعيا جديدا تماما، ينظر إلى الماضي للاستفادة من الأخطاء فقط، لا لكي يجره معه إلى الحاضر، وينبغي أن نستشرف المستقبل بناء على موقعنا بين الأمم اليوم، دون اللجوء إلى الأساطير التي أكل عليها الدهر وشرب.

1xbet casino siteleri bahis siteleri