قراءة في كتاب نقد الليبرالية للطيب بوعزة

481

يعتبر الطيب بوعزة أحد المفكرين المغاربة المعاصرين الذين جادت أقلامهم بإبداعات فكرية أصيلة في الفكر العربي المعاصر. أتاح له تخصصه الدقيق في الحقل الفلسفي مجموعة من الأدوات التحليلية المهمة؛ والتي وظفها في إنتاجه الفكري والعلمي الذي تنوع ما بين التأريخ للفلسفة الغربية في إرهاصاتها الأولى بالإضافة إلى معالجة بعض قضايا ومشكلات الفكر الإسلامي المعاصر.

وكالعادة فإن الالتفات للنوابغ في المغرب يكون ضعيفاً مقارنة بالمشرق، فما أن يظهر عبقري في المشرق إلا وقامت عليه القيامة في الإطراء والتبجيل، في حين قد نجد العباقرة من المغاربة من لهم عطاء بديع يتعرضون للنكران قصداً أو عمداً، وقد لخص العلامة الأندلسي ابن حزم هذه المعضلة في قولة بديعة خلدها التاريخ: “ولكن عيبي أن مطلعي الغرب”.

  • الكتاب في الصورة:

بين أيدينا أحد الكتابات المهمة للدكتور الطيب بوعزة الذي عنونه بـ: نقد الليبرالية وكما يتضح جلياً من عنوانه؛ فإن الكتاب عبارة عن كشفٍ لاختلالات وعيوب المذهب الليبرالي في أبعاده المختلفة اقتصاديا وسياسياً وأخلاقياً.
يقع الكتاب في حدود 169 صفحة من الحجم الصغير في طبعة مؤسسة تنوير للنشر سنة 2013م/1435هـ، وقد قسمه المؤلف إلى مقدمة تكلم فيها عن منهج الكتاب وأهم محطاته وستة فصول وخاتمة.

في الفصل الأول؛ تكلم المؤلف عن مفهوم الليبرالية، فالشيء الذي نريد أن ننقده من الضروري أن نعلم ما هو وما معناه؟ يرى البعض أن الليبرالية هي مذهب الحرية، ويرفض بوعزة هذا التحديد باعتباره إدخال لقيمة إنسانية داخل سياج مذهبي ضيق، لذلك فهو يعرفها بأنها: فلسفة اقتصادية وسياسية ترتكز على أولوية الفرد بوصفه كائناً حراً، فمن الناحية الفكرية تعني حرية التفكير والاعتقاد والتعبير، ومن الناحية الاقتصادية تعني حرية الملكية الشخصية والفعل الاقتصادي، أما على المستوى السياسي، فتعني حرية التجمع وتأسيس الأحزاب واختيار السلطة، فالليبرالية إذا ترتكز بالأساس على مفهوم الحرية.

أما الفصل الثاني؛ فقد تعرض فيه المؤلف إلى الليبرالية من منظورها السياسي، ويرى المؤلف هنا أن الليبرالية تعود جذورها إلى ثلاثة مفكرين بارزين في الفلسفة السياسية وهم: ميكيافيللي وجون لوك ومونتيسكسو، فهؤلاء أسهموا بشكل كبير في بروز هذا المذهب وفي تطوره.
أما ميكيافيللي في نظر الكاتب؛ فهو المؤسس للحكم الجمهوري ضد استبداد الأمير، بالإضافة إلى هذا فهو من أكد على فصل الفعل السياسي عن الأخلاق، وهذا من أهم مبادئ الطرح الليبرالي، ومن هنا عده بعضهم أنه هو من أسس علم السياسة الحديث، ويرى المؤلف أن ميكيافيللي لديه ازدواجية عجيبة في طرحه السياسي، فهو يدعو إلى الرؤية الواقعية من جهة، لكنه ينادي من جهة أخرى إلى الإنصات لصوت الكهانة والتنجيم وهي رؤية أقرب إلى الفكر الأسطوري، كما يصل المؤلف إلى نتيجة مفادها أن ميكيافيللي متناقض في طرحه؛ فهو يبدو في كتابه الأمير كمنظر للاستبداد، بينما في كتاب أحاديث يظهر وكأنه مفكر جمهوري يدعم الحرية السياسية، ويخلص الكاتب من هذا إلى أن فكر ميكيافيللي سعى إلى علمنة السلوك والمشروع السياسي، فهو بالتالي أحدث نقلة نوعية في الفكر السياسي الغربي في القرن السادس عشر.

أما الشخص الثاني الذي ساهم في تشييد البناء الليبرالي سياسياً؛ فهو جون لوك. يستشكل الكاتب مسألة مهمة وهي أن لوك كان من كبار أدعياء الحرية لكنه في الوقت ذاته كان من تجار الرقيق (العبيد)، وهذا أحد التناقضات الصارخة بين فكره وسلوكه. يستند لوك في نظريته الفلسفية إلى النظرية الذرية الفيزيائية، فقام بإسقاطها على المجتمعات، فالمجتمع في نظره مجموعة من الأفراد كما أن الكون مجموعة من الذرات، وتعد هذه الذرية مدخلاً لتسويغ النزعة الفردانية المتطرفة. لقد كان لوك أحد المساهمين في وضع العقد الاجتماعي الذي يسمح لانطلاق المجتمع المدني، فاعتماد مبدأ الأكثرية هو الذي يفعل العمل السياسي، ومن هذا المنطلق يعتبر كتاب المقالتان أحد الطفرات التاريخية التي أثرت في الفكر السياسي الغربي الحديث.

أما الشخص الثالث الذي جعله الكاتب أحد المؤسسين لليبرالية سياسياً؛ فهو مونتيسكيو الذي يُعد من المساهمين في بلورة الحداثة السياسية الأنوارية انطلاقا من تفكيره في إشكالية الاستبداد. يقوم طرح مونتيسكيو على أن الحرية أساس الفعل السياسي، كما أنه أسس لنظرية فصل السلطات الثلاث: التشريعية، التنفيذية، القضائية التي تعتبر مدخلاً للحد من الاستبداد، لكن الكاتب يؤاخذ على مونتيسكيو تفريقه بين الطبقات، إذ جعل امتيازات تشريعية خاصة بطبقة النبلاء مقابل الفقراء والمعدومين.

بناءً على ما سبق؛ تقوم النظرية الليبرالية السياسية على ثلاث ركائز أساسية: أولها الفصل بين السياسي والأخلاقي؛ فلا أخلاق في السياسة، وثانيها الرؤية الذرية للمجتمع مما أدى إلى تكريس الفردانية، وثالثها تحرير الفرد، وهذه الأمور في نظر بوعزة ساهمت في القضاء على الاستبداد من ناحية، لكنها من جهة أخرى وقعت في مأزق إلغاء قيمة الإنسان والظلم الطبقي.

انتقل الكاتب في الفصل الثالث إلى بحث النظرية الاقتصادية الليبرالية، فأوضح أن الإنسان في هذا المنظور يُعرف على أنه حيوان اقتصادي محكوم برغباته، ويرى المؤلف أن هذا تعسف في نظرة هذه الفلسفة إلى الكائن الإنساني، فهي تختزله في كينونة مادية لا عقل لها ولا قلب سوى عقل الغريزة وقلب الشهوة. يرى الكاتب أن النظرية الليبرالية الاقتصادية ترجع إلى ثلاثة إسهامات أساسية: آدم سميث، وريكاردو، ومالتوس.

يعد آدم سميث رسول الليبرالية في الاقتصاد، فقد نص من خلال كتابه ثروة الأمم على حرية الفعل الاقتصادي، فهو يرفض أن تتدخل الدولة في الواقع الاقتصادي، وهذا ما عٌرف عنده باليد الخفية، كما أنه حث على تقسيم العمل لكي تعمل المؤسسة الاقتصادية بكفاءة وفضل المصلحة الفردية على المصلحة الجماعية، وقد غلب على تنظيره الاقتصادي النظرة النفعية للواقع على حساب البعد الإنساني.

أما ريكاردو؛ فقد انطلق من مسألة النمو الاقتصادي، وفلسفته متممة لفلسفة سميث؛ بحيث أكد على أن العمل هو أساس قيمة الأشياء، وهو ينحاز إلى فئة الرأسماليين الصناعيين ويهمل طبقة المأجورين، ويرى بوعزة أن هذا تناقض صريح مع كون العمل محدد القيمة.

بينما قام مالتوس ببلورة نظريته الاقتصادية على أساس الفوبيا الديموغرافيا؛ فقد كان أشد أعدائه أولئك الفقراء الذين يتزوجون مبكراً ويكثرون من النسل، ومن هنا يستنتج أن الفقر ناتج عن غلط الفقراء أنفسهم، فرؤيته الديموغرافية التشاؤمية دفعته إلى تحيزه لفئة الأغنياء على حساب الفقراء، لذلك كانت نظريته مؤسسة للطرح الليبرالي اللاإنساني.

وفي الفصل الرابع من الكتاب الذي كان بعنوان: النيوليبرالية تعرض الكاتب للتطورات التي طرأت على المفهوم الليبرالي. ظهرت الليبرالية الجديدة في النصف الثاني من القرن العشرين بعد توجيه انتقادات شديدة لليبرالية الكلاسيكية من مختلف الجهات، كان لظهور المذهب الليبرالي الجديد سببان: أولهما أزمة 1929 الاقتصادية، وثانيهما: انفتاح السوق الدولية في إطار العولمة مع تقليص رقابة الدولة على السلع والمنتجات.

تفترق النيولبرالية على الليبرالية الكلاسيكية في أمور منها: أنها أكدت على المنظور النفعي المتعلق بالمستهلك، كما أنها سقطت داخل وحل الفردانية الذي جعل أسهم الانتقاد تطالها من جوانب عديدة. ومن هنا يمكن القول إن النيوليبرالية ركزت على البعد النفعي من خلال تأسيس الفضاء المجتمعي على مبدأ اللذة بمدلولها الحسي، لذلك تسعى النيولبرالية إلى ترسيخ ما يسمى بإنسان السوق، ذلك الإنسان الذي يستهلك من أجل الاستهلاك حتى أصبح شعاره أنا أستهلك إذن أنا موجود.

أما الفصل الخامس؛ فقد عنونه الكاتب بـ الليبرالية والحرية والسؤال الأخلاقي عرض خلاله مفهوم الحرية داخل النسق الليبرالي مبيناً أن هذا المفهوم يكتنفه غموض شديد، باعتبار أن له تأويلات وتحديدات متعددة تجعل منه مفهوماً زئبقياً، فالحرية في الفكر الغربي مرت بمحطات مختلفة بدءاً بالإصلاح الديني مروراً بالعصر الأنواري ووصولاً إلى العصر الحديث، لكن الليبرالية في نظر الكاتب لا تمثل أبداً دعوة إلى الحرية الإنسانية، بل هي في حقيقتها دعوة إلى حرية الفرد بوصفه كائناً اقتصادياً مالكاً لأدوات الإنتاج؛ فهي أيديولوجية تقصد تحرير القوة الاقتصادية، وبالتالي تنتهي إلى تأسيس الاستبداد الرأسمالي.

أما من الناحية الأخلاقية يرى المؤلف أن الليبرالية تنطلق مما يُعرف بأخلاق السوق التي توزن بالكيلو وتعاير بالدولار؛ فهي أخلاق نفعية محضة تسعى في الأول والأخير إلى تحقيق اللذة الحسية للإنسان داخل سياج فرداني، وهذا مؤشر على اهتراء المنظومة الأخلاقية في الفلسفة الليبرالية.

خصص المؤلف الفصل السادس والأخير للحديث عن الخطاب الليبرالي العربي، وأوضح خلاله أن الليبرالية هي أول مذهب فلسفي وسياسي تعرف عليه المثقف العربي من خلال صدامه مع الغرب بدءاً من حملة نابليون على مصر. يؤكد المؤلف أن الليبرالية ولجت إلى عقول الجيل الأول من مفكري النهضة كأفكار متفرقة وليس كنسق كلي، فمن أمثال هؤلاء يذكر: الأفغاني، وعبده، والطهطاوي، وأديب إسحاق، وخير الدين التونسي من القرن التاسع عشر، وطه حسين ولطفي السيد من القرن العشرين، والغالب على هؤلاء أنهم مزجوا بين التأصيل الشرعي وبين الطرح الليبرالي مختزلاً في مفهوم الحرية.

أما النيولبراليون العرب الذين ظهروا في منتصف القرن العشرين من أمثال شاكر النابلسي، وسيار الجميل، يرى المؤلف أن إنتاجهم الفكري لا يعدو مقالات صحفية تفتقر للعمق التحليلي والاستيعاب المعرفي للطرح الليبرالي، فهؤلاء حاولوا من خلال كتاباتهم أن يرسخوا الفلسفة الليبرالية في الواقع العربي بمنطق الفرض والوصاية مستعملين لغة الهجاء والقذف والاستعلاء، لذلك يتوصل الكاتب إلى نتيجة مفادها أن هؤلاء عجزوا عن فهم الواقع العربي من خلال شرطه الثقافي والتاريخي من ناحية، كما أنهم فشلوا في تحليل الفلسفة الليبرالية وإدراك مكامن نقصها من ناحية أخرى.

  • كلمة ختامية حول الكتاب:

بدءاً، يُحسب للمؤلف تمكنه المنهجي، فعند قراءة الكتاب نلمس انضباطاً منهجياً صارماً، فمن هذه الناحية يستحق الطيب بوعزة العلامة الكاملة؛ لأن الكتاب بُني وفق تسلسل منطقي رائع وبأسلوب علمي جميل، بعيداً عن الأحكام القيمية المسبقة والاتهامات المباشرة.

شدني في الكتاب كذلك موسوعية صاحبه؛ فقد تعرض للمذهب الليبرالي في محطاته المختلفة تاريخياً وفي أبعاد متفاوتة فعرضه من الناحية السياسية والاقتصادية والأخلاقية، ولا شك أن مثل هذا العمل يحتاج إلى اطلاع كبير ونفس قرائي متنوع لا يستهان به.

لم يعجبني في الكتاب اختزاله الشديد في كلامه عن الليبرالية العربية التي خصص لها الفصل الأخير، ففي نظري يجب العناية بهذا الشق بشكل أكبر لما له من علاقة مع سياقنا الثقافي والفكري.

على العموم، الكتاب على صِغَرِ حجمه مليء بمعلومات غاية في الأهمية فيما يتعلق بالموضوع الذي عالجه، كما يتضمن نقداً علمياً رصيناً لهذا المذهب الذي يتحكم اليوم طولاً وعرضاً في حياة الإنسان المعاصر. فمن هنا، يمكن القول إن قراءة هذا الكتاب تُضيف لك حمولة معرفية مهمة لمن كان همه التعرف على الليبرالية عن قرب.

1xbet casino siteleri bahis siteleri