توبة نصوح

مالي أرى ذبول مقلتيك وانطفاء روحك؟ ما بها الكلمات تنبثق من شفتيك مكسورة الجسد والمعنى؟ ألهذا الحد أصبحت قواك خائرة لا تقوين فيها حتى على حمل نفسك؟ تنهدت تنهيدة طويلة لملمت بها بقايا نفسها، ثم هزت عينيها، انتظرت بذلك برهة من الزمن حسبتها دهرا ثم قالت: النفس بحاجة إلى توبة نصوح!

هكذا هم نحن بنو البشر، ننتكس انتكاسة فنحتاج بعدها لماء الإيمان لنروي به ظمأ صحراء نفوسنا القاحلة، وكلما تلطخنا بخطايا الدنيا ازداد خلل حياتنا بحيث لا سبيل لاتزانها إلا بتجديد العهد مع الخالق! فما هو هذا العهد؟ أهو مجرد وصال زائف لا مجال لتحقيقه؟ أم رهين بالمؤمنين الذين لم تزل قدمهم عن طريق الحق قط؟ أحقا أصبحت النجوم أيسر تناولا من طرق باب التوبة؟!

كلها أسئلة نطرحها على أنفسنا لنعلم حقا هل نحن أهل للتوبة والعفو والمغفرة؟ ولما لا؟! تذكرنا بما بدر منا من أفعال بنفس قانطة من رحمة الله تفتح للشيطان طريقا للقلب حتى يقنطه أكثر من رحمة الله وأن الله لن يغفر له! حاشاه وهو الذي يقول {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ} [الأعراف: 156] والله الذي سمى نفسه الغفور…الغفور اسم ينقش الطمأنينة على جدار القلب المهترئ.

مقالات مرتبطة

وفي هذا السياق أذكر أن الله عز وجل ترك لنا باب التوبة مفتوحا دائما ولله الحمد والمنة عليها من نعمة، إلا أنه تعالى بعلمه المطلق استثنى في ذلك حالتين، أذكرهما مستشهدة بنصين شرعيين، عن أبي عبد الرحمان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله عز وجل يقبل توبة العبد مالم يغرغر” والمقصود بالغرغرة هو بلوغ الروح الحلقوم، أما الاستثناء الثاني، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها”.

غير هذين الاستثنائيين، باب التوبة مفتوح، أولسنا في أمس الحاجة لنهرول إليه ونطرقه راغبين فيه؟ وما أحوجنا لذلك في زمن كثرت فيه المحن والفتن، زمن أحل فيه الحرام وحرم في الحلال، أولسنا فقط بحاجة ماسة لصلاة توبة عميقة ننفض فيها غبار الهفوات عن طريق الحق، ونجدد العهد مع الله، ثم نجعل الحبل بيننا عروة وثقى لا انفصام لها، نعم والله إنه الوقت لذلك، فالروح اشتاقت إلى من يطعمها من حلاوة الإيمان لتعكسه نور على الوجه.

نعم هو كذلك أيضا، لقد أنارت وجهها وفتحت مقلتيها واستقامت كلماتها وكشفت اللثام عن الحقيقة. أي حقيقة؟ حقيقة الطريق المؤدي لله، رمت كل أهوالها ومخاوفها في سجدة عميقة، ثم شربت حتى ارتوت، وفاضت الروح حبا للخير، والآن نفسها لم تعد مجرد بقايا، هو الله القادر على أن يحيي العظام وهي رميم جدد فيها نفسا وأرضاها بما أعطاها حتى اطمأنت.

1xbet casino siteleri bahis siteleri