الخطأ لحظة والحب عمْر

تبهرني المراعاة، وتعجبني الرحمة، وتدهشني المسافة التي تقطعها الكلمة، وتستوقفني ما قد تفعله بنا المحبة، تُذهب ما تخلفه التصرفات اللينة. والله لا توجد صفة أحب في الإنسان من صفة اللين؛ إذ تجده لينا إذا صدق، سمحا إذا خاصم، رفيقا في الشدة ورقيقا في النصيحة، لا يشقي في صحبته أحدا.

ثقافة التسامح وتقبل الآخر هي اللبنة الأساس التي يجب أن تتجذر في كل العلاقات كيفما كان نوعها؛ لأن نجاح أي علاقة مقرون بإتقان فن العفو، كون العلاقات الطيبة التي امتطت درب النجاح لم يحكمها يوما قانون ولم توضع لها ثوابت، فإذا تمت تعبئتها بالحب والتسامح -واللذان يعتبران وجهان لعملة واحدة في أي علاقة- تختفي كل القوانين، إذ كل شيء قابل لنخطط له إلا الحب، لا يحتمل اللوائح ولا القرارات.

لا أحد منا يخلو من الطيبة ولا أحد منا فارغ من جانبه المظلم، لذلك في بعض الأحيان قد يطغى الجانب السيء فينا، فلنكن دائما على علم بأن هناك احتمال للتحلي بالطيبة في قلوب الجميع، ولنلتمس العذر لكل من أخطأ في حقنا، ولنتذكر قبل أن نتخذ العجلة في الحكم، أننا لا نعلم ما يحدث خلف الأبواب المغلقة، إذ من المؤسف والمحزن أن نضحي بسنوات ود في سبيل لحظة خطأ، لقول الله تعالى: {وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ}، فالحب الذي يقودك إلى تعداد أخطاء الطرف الآخر، ليس حبا بل حربا، لأن الحب هو ذاك الملاذ الآمن، هو شاطئ الأمان وملجأ الهروب، ومخبأ التخفي. الحب هو أن أكون مرآتك التي لو كنت منكسرا انكسرت فتظهر أنت فيها قائما، الحب هو أن تتجاوز عني وأتجاوز عنك، الحب رحمة وعطاء بدون امتنان أو تكلف، أن يتحمل أحدهم المشي على الشوك أو الجمر في سبيل من يحب، وليس أن أكون على استعداد لرفع سلاحي في وجهك عند كل زلة.

قد تغضب وتحزن، وقد تجادل وهذا حقك، لكن من دون أن تحقد أو تكره، فمن يحب بصدق لا يمكن أن يمتطي درب الكراهية أبدا.
نَحنُ نصغرُ سَنواتٍ في لَحظةِ سَعادة، في لحظةِ تكريم، عند سماع كلمة حُب، لحُضن دافئ أو بجوارِ مَن نُحب. ونكبرُ سنواتٍ عند كل خصام، هي طبيعة الحياة، هكذا خلقنا كل يوم في حياتنا نواجه أمورا عديدة منها السهل ومنها الصعب، ولكن الإنسان الذكي هو الذي يتخلّص من كل هذه المصاعب بيسر وسهولة، وبالابتسامة تُحل المشاكل مهما عظمت. لهذا، تبقى الحياة أقصر بكثير من أن نهدرها في تسجيل زلات قد يرتكبها آخرون في حقنا، فلنسْعَ جاهدين إذن لرسم الصورة الحقيقية للحب، ولا نغفل على أن فضل الأخطاء علينا كبير، فلولاها لما أدركـنا مراتب الصواب والحكمة.

لذا، لا تجعل كل هفوة سقوط، بل اجعلها درجا لنسمو بعلاقتنا معا، فصفة التسامح لم تكن يوما ضعفا مثلما ينعتها البعض، بل دليلا على أنك بلغت ذروة النضج وٲكبر مراتب القوة، سامح واغفر وأحسن الظن بالله من أجل من أساء لك، وكذا من أجل قلبك الطيب، ففي التسامح راحة، وتأمل الخير في كل الأشياء من حولك؛ إذ لا شيء سيء، ولا بد من رؤية تلك المساحات المضيئة وإن كانت ضيقة وإيجاد الأعذار لمن يقصر وإن تعذر وجودها. اصفحوا فجميعنا قد يخطئ يوم ما.