من اليأس ما قتل

من المؤكد أن هناك ما لا يعد ولا يحصى من الأمراض والأسقام التي تتفاوت حدة تأثيرها على صحة الإنسان بشكل عام، غير أن هناك من يسبب آفات جد خطيرة للإنسان؛ بحيث تكمن خطورتها في أن هذا النوع من الأمراض تأثيراته طويلة المدى وتمحو أثر وجود الإنسان وكيانه ببطء، وتنخر روحه وتجعله مجرد جثة هامدة بالكاد تقوى على الحركة؛ فهي تحوله إلى إنسان ميت مع وقف التنفيذ يتنفس ويتحرك ويملأ جوفه بلقيمات معدودات فقط بغية استمراره في عجلة الحياة؛ فهو يؤمن في قرارة نفسه أنه إن وضع حدا لحياته بصفة كلية قد يجني عليه الكثير خاصة وأنه يتوق إلى أن يعوض بحياة أفضل في الحياة الأخرى، وبالتالي كان هذا الخيار مستبعدا ومن ثم قرر الاستمرار في جعل جسده حيا، أما روحه فقد ماتت منذ ردح زمن، منذ أن أدرك حقيقة البيئة التي يعيش فيها، ومنذ أن ضاعت أمانيه وتم وأدها في مقابر النسيان وغرقت أحلامه في قعر محيط الأحزان والأكدار، تتوالى عليه الخيبات ويمر عليه قطار الانهزام السريع فيغدو ضائعا في ردهات الانكسارات المتتالية، أما تلك الأهداف التي ما لبث يسطرها ويسهر على تحقيقها ليال طوال فهي الأخرى قد دثرتها الرمال وابتلعها البحر ولم يكلف نفسه حتى لفظها على الشاطئ، بل غاص بها إلى قاعه العميق ودفنها هناك وكأنها لم تكن.

يوما ما كنا – نحن البشر – نحلم بحياة وردية بحياة مخالفة للمألوف، فكنا بكل سذاجة نعتقد في قرارة أنفسنا أننا سنصنع المعجزات، فقط ما ينقصنا هو صغر أعمارنا، لم نكن نعي أن الواقع سيصفعنا بهذه الحدة، وسيترك آثار لكماته القوية على خدودنا لفترة طويلة، طويلة جدا، لقد سرق منا أعز ما نملك، أخذ منا شبابنا ولم يترك لنا حتى فرصة الاستمتاع بفتراته المميزة، فحولنا إلى عجائز في السبعين أو أكثر ونحن لا زلنا في بداية العشرينيات من أعمارنا، نعم لقد رسم خطوط التجاعيد على جباهنا بكل وقاحة، لم يكترث لأعمارنا التي في وقت ما كانت تنعت بعمر الزهور، ولم يقف عند ذلك الحد بل حول وجهونا إلى ملامح ذابلة وبشرة شاحبة عليها كل آثار التقدم في السن، معلنة بكل قوة أن الدهر أكل عليها وشرب، وأجسادنا لم تعد سوى هياكل عظمية، نخرها الزمن وأكل منها وشبع حد التخمة.

لقد صفعتنا مرارة هذه الدنيا وردفتنا إلى وديان الإحباط وأقبية المجهول، حتى غدونا وكأننا مخدرين، فلا بهجة تحرك سكون قلوبنا ولا سعادة تشفي غليل نفوسنا المشبعة بطعم اليأس والآلام التي احتضنتنا بكل ما أوتيت من قوة، وكذا الشقاء الذي اعترانا من أعلى رؤوسنا إلى أخمص أقدامنا.

مقالات مرتبطة

لم نرد يوما أن نعيش هذه الحياة، حياة خالية من المباهج ومن كل ما يؤنس الروح، حياة دفنت قلوبنا في مقابر السراب فأضحينا لا نرى شيئا واستعصت علينا الرؤية بشكل واضح؛ فكل ما حولنا يلفه الغموض، لم نعد نستصيغ شيئا، بتنا نتمنى أمرا واحدا هو أن نهرب بعيدا حيث يتسنى لأرواحنا العيش من جديد وتحلق عاليا كما في السابق، ولكن، كيف السبيل إلى ذلك؟ لقد غدت أمنية صعبة المنال ومستحيلة التحقق.

إن الكثيرين وحتى نكون صريحين لا يكرهون الحياة بمعناها الحرفي ولا الحياة برمتها، بل الحياة التي أجبرتهم الظروف على العيش فيها، أي تلك الحياة التي تسقط على الإنسان المتاعب وتغرس في دواخله كل معاني السخط والإحباط، تلك الحياة التي لا تحتوي سوى على الفساد الذي يعم جميع الأمكنة حوله، حياة لا يملؤها غير دمار النفوس وقتل كل ما يدل على الأمل في أرواح شباب ظن في الماضي السحيق أنه لن يرَ سوى النور عندما يصل إلى هذه المرحلة، ولكن هيهات كل شيء كان له بالمرصاد، فقد عاملته الحياة وكأنه فأر تجارب للتأكد جيدا من وأد إنسانيته وتحوله إلى جيفة مقتولة بأبشع الطرق ومرمية على رصيف الطرقات.

إن أكثر ما يحزن الإنسان ويضيق عليه هو أن يعي ويدرك على حين غرة أن الطريق التي كان يظن أن نهايتها مفروشة بالورود وسيحتفى به و يصفق على إنجازاته في الأخير غدت مجهولة النهاية، فلم تسلم قواه منها أيضا، بل خانته هي الأخرى؛ حيث أثرت عليه كثرة العراقيل التي صادفها في طريقه، وما أدمى قلبه حقا هو التأكيد من جميع الجهات على أن كل الطرق باتت لا نهاية لها، الكل يبرهن له بطريقة أو بأخرى أنه لن يصل أبدا ما دام يتنفس داخل دهليز هذه الحياة البائسة؛ فعندما يبلغ النصف تتهاوى عليه المصائب من كل حدب وصوب، وتجره أمنياته إلى مستنقع اللاشيء، ويصير دون قيمة لا وزن له ولا معنى لحياته، غير معترف به في مجتمع لا يؤمن سوى بما هو مادي محض، والكل ينعته بالفاشل وأنه مجرد رقم زائد في عداد البشر، فيلعن الظروف والأقدار التي أجبرته على المكوث في محيط يتجاهله، ولا يعيره أي اهتمام. مما يزيد الطين بلة فيغدو خوارا مسلوب الإرادة و القوة مغلوبا على أمره على شفا جرف من اليأس مسحوق الأمل ومسلوب الإرادة والعزيمة القوية، وكذا منسلخا من الأحلام والآمال وحتى من المشاعر والأحاسيس الجميلة؛ بحيث يتحول إلى كائن غريب لا يتمنى شيئا سوى أن يأتي الموت الأكبر ويجمع كل أشلائه الأخرى الميتة منذ زمن فيأخذها معه ويرحل إلى الأبد.

لكن، مع كل القبح الذي قبعنا فيه، ما زال هناك بصيص أمل يلوح في الأفق، هناك ما هو جميل سيحدث يوما ما لأننا -ولله الحمد- نؤمن في قرارة أنفسنا أن لنا ربا رحيما بعباده ولطيف بأحوالهم، سينقذنا من شتاتنا الفكري ويأخذ بأيدينا إلى جادة الصواب، سيعيد لنا رشدنا ويكافئنا ويعوضنا عن جميع ما قاسيناه في هذه الدنيا الفانية، كما سيحول الكأس التي تجرعنا منها مرارة العلقم طوال حياتنا إلى جرة من العسل بإذن الله؛ فكل ما نعانيه في هذه الدنيا إلا وله أجر وأجر عظيم أيضا، وحتى من شوك الإبرة ونعوض عن ذاك الألم البسيط مصداقا لقول النَّبيِّ ﷺ: ((مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حَزَن وَلاَ أَذًى وَلاَ غمٍّ، حتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُها إِلاَّ كفَّر اللَّه بهَا مِنْ خطَايَاه)) وكيف ستعجزه أمنياتنا إذن؟ وكيف سيغض الطرف عن آلامنا التي نخرتنا ولم تترك فينا سوى بقايا أشلاء؟ نعم، لنا رب عظيم وبقدرته وتوفيقه -سبحانه وتعالى- سنستمر في المضي قدما مع الدروب الوعرة والموغلة بالأشواك والصعوبات التي لا تنتهي، ومع يقيننا أن النهاية مجهولة وغير واضحة المعالم فسنسير بأمر من الله وبإيمان عميق منا بأنه سبحانه سيغير الحال إلى أحوال أفضل، وسييسر ويمهد لنا الطريق، وسنعقد العزم أن نحارب في معاركنا الضارية حتى آخر رمق ولن نستسلم، فحتى لو متنا سنموت بشرف وعزة ولن نموت أذلاء في القاع وسيبقى شعارنا الخالد هو “سينقذنا الله كما يفعل في كل مرة”.