من تحت الركام

لقد كانت تظن أنها الأخيرة، وفعلا كادت أن تكون كذلك، لحظة واحدة كانت ستغير الحياة وتقلب كل موازينها رأسا على عقب، انتظرتها بفارغ الصبر أو بالأحرى عملت من أجل تلك اللحظة، دفعت ثمنا غاليا حتى تنعم بها، طوال عمرها وهي تكد وتجتهد، تعمل بكل تفان، تستيقظ مع بزوغ الفجر، فكان أول ما تستفتح به يومها الوضوء حتى تشرع في الصلاة وتريغ ما يملأ جعبتها من آهات على سجادة الصلاة بدل أن تستنجد بتعاطف من حولها وتثير فيهم الشفقة على وضعها ذاك، من حسن حظها أنها كانت مؤمنة وموقنة أن الله سبحانه وتعالى سيهبها ما تطمح لتحقيقه وسيرزقها البركة في وقتها والتوفيق وكل التيسير، وسيكتب لأحلامها أن ترى النور ولو بعد حين.

شعور كان يراودها في كل لحظة أن هذا العام سيكون هو العام الذي تغاث فيه، تصلي وتناجي الله تعالى والناس نيام، من فرط الاستجمام وما طالهم من تعب وإرهاق بسبب العطلة؛ فالوقت كان صيفا ولأنها دون الناس جميعا لا تحب أن تستمتع بالعطلة على حساب أحلامها، فهي كانت غالية بالنسبة لها بل كانت هي من تتنفس من أجلها، يقينها التام من أن لا شيء في هذه الحياة يُعطى دون مقابل جعلها تدرك بوجوب بذل الكثير من المجهود المضني من أجل أن ترسو سفينتها إلى بر الأمان، حيث تستقبلها أحلامها ممدة إليها ذراعيها ويجمعهم عناق حار وطويل لأنها من فرط الحنين والاشتياق إليها بات من الضروري للحظة الأولى أن تكون على هذه الشاكلة، جد مؤثرة.

كان لسانها رطبا حييا بذكر الله، لم يكن ثمة ما يطمئن قلبها المفزوع خشية أن تتعثر أو يحدث ما قد يحول دون اللقاء الحار الذي رسمته في مخيلتها مع أحلامها، لذلك كانت تلازم الأذكار وتدعو الله تعالى في كل الأوقات حتى يتسير اللقاء المزعوم في القريب العاجل، أخذت بالأسباب، بذلت ما يفوق طاقتها من جهد كان هدفها أن تسترجع ذاتها التي ضاعت منذ ردح من الزمن، منذ طرقت الخيبات والخسارات باب قلبها، واستقرت فيه، أخذته ملجأ لها وأبت أن ترحل رغم محاولاتها المضنية في ترحيلها ولو قسرا، لكن، كانت متمسكة بالمكوث هناك فأتت على الأخضر واليابس ومزقت نياط القلب من الجذور ونهشت روحها الواهنة نهشا، وأسكنت الدمع في المقلتين، ورسمت خطوطا رفيعة من التجاعيد على جبينها وكل آثار الزمن التي لم يقبلها سنها، والخدين المقعرين، عيون غائرة، خيام من الهالات السوداء أقامت أوتادها من تحت عيونها وأخذتها مستقرا لها…وما هذا غيض من فيض.

كان الأمر لا يحتمل بالنسبة إلى فتاة لم تعرف معنى الفشل طوال حياتها، فتاة هشة، وديعة عاشت في كنف عائلة مثالية قلما رفض لها طلب أو كدر لها خاطر. لكن، رغم كل ما أتى عليها من خيبات وانهزامات تماسكت واستجمعت قواها لم تشأ أن تقع في براثن الهزيمة التي طالتها، صحيح أن الألم لم يكن ينحسر فيها بل يكبر وينضج ويضرب كل ذرة أمل كانت تسكن فؤادها، لذا كانت تردد على مسامعها عبارات تزودها ببعض من الطاقة التي استنزفت فيما مضى كي تبلغ غايتها وتحيا من جديد…نعم فهي لم تكن حية أو ربما كانت شبه كذلك، لا تشارك من حولها في نشاطاتهم تنزوي في ركن مظلم من غرفتها التي صارت تضيق عليها أكثر وأكثر وتخنقها، تتكور في ذاك الركن على نفسها مثل جنين معرض للإجهاض في أية لحظة ذاك أن رحم الأم لم يكن مهيأ بعد لاستقبال الجنين ربما كان هو أرحم من رحم الحياة الذي لم يرحمها البتة، فلا هو أجهضها وأراحها من عناء تلك المشقات التي تمر عليها ولا هو احتفظ بها وأحسن معاملتها ووفر لها ما تحتاجه من غذاء وراحة.

تقوقعت على نفسها، سئمت من السعي دون فائدة ضاعت وتاهت في دروب الحياة الوعرة أدميت أقدامها بسبب ما علق بها من أشواك وأحجار…لكن، كل ذلك لم يثنها عن حلمها، قاتلت حتى آخر نفس رغم هزالة جسمها وضآلة حجمها وما طالها من أسقام وعلل، أخذت تشق طريقها رغم مصابها تنفض عنها ما تهاوى عليها وسقط من أحجار والكتل الصخرية الضخمة التي هشمت رأسها وكسرت ضلوعها، نعم، فقد تعذر عليها أن تستحمل أكثر وقدر لها أن تسقط في القاع وانهار كل ما كانت تشيده من صروح أحلامها، أخذت تلوح بصعوبة بيدها معلنة النهوض من جديد، النهوض من تحت الركام، تصدر أنينا واهنا متقطعا يسمع بالكاد، تغرورق عيناها بالدموع وتتحجر غصة في حلقها تبكي وتترنح بحرقة، كانت تأمل في إيجاد من يساعدها ولكنها وبكل أسى لم تجد أحد، من كان يمر من أمامها يكتفي بنظرات من الشفقة أو يتمتم بشيء ما ربما هم ممن كانوا يحملون ذرة من خير وطيبة في قلوبهم، تلك التمتمات كانت أدعية متفرقة “الله يقويك، الله يجبر بخاطرك، الله يفرج عليك…”

لكن لم تأبه بكل ذلك، حاولت أن تلتفت ممتنة لمن كان يدعو لها وترسم ابتسامة متهالكة على ثغرها ووجها الحزين المطبع بندوب وجروح في كل الزوايا، أرغمت نفسها على ألا ترمق عينها من كان يرقبها بتلك النظرات القاتلة التي كانت تصوب في اتجاهها وتزدي من حالتها.
تزودت بما تبقى فيها من إيمان ويقين بالعوض الجميل الذي سيأتيها ويعوضها عما كابدته وصارعت من أجله، ونفضت عنها كل ما تراكم عليها ثم أخذت تحث الطريق بخطوات بطيئة نحو أحلامها، كانت تمشي مطأطأة الرأس، مسحوقة الآمال ذابلة، تمشي بخطى متثاقلة نحو أحلامها وبأمل يغمر فؤادها المكلوم نحو أحلامها البعيدة.. البعيدة جدا.

1xbet casino siteleri bahis siteleri