وَفِىٓ أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ

لا يخفى على أحدنا كمية الانتقادات التي أصبحت منتشرة في زمننا هذا، بل وقد اعتمدها الكثيرون كهواية لهم يخفون بها عيوبهم بإظهار نواقص الآخرين. بشعار لكل منا حق النقد أصبحت تهتك الأعراض، تؤكل اللحوم بل قد يذهب البعض حد التشهير وإساءة السمعة، يعيشون على تصيد هفوات وأخطاء الأغيار من لرمي سهام الحقد والكراهية، رماح الجهل وقلة الوعي.

الانتقاد، تلك الوسيلة السهلة الخالية من الموضوعية والحكمة، ذاك المرض الخبيث الذي يسكن العقول ويعكس شخصية الإنسان المرضية، فكثير الانتقاد غالبا ما يشكل عقله آلية التكيف، يخرجها كلما شعر بعدم الاستحقاق، الخوف وضعف الذات، بغية تحويل الضوء عن النفس إلى الشخص المقابل أو أي شيء آخر محاولا الشعور بالأمان وإبعاد الأنظار عنه.

لعب دور الناقد شخصية تقمصناها جميعا، نتفنن في تشويه الحياة إن كانت أحداثها أو شخصياتها، ولا نتقبل آراء الغير فينا حتى لو كانت حقيقة مطلقة، نتمسك تمسك الغريق بمنقذه بكل ما يتعلق بنا حتى لو كنا ندرك إدراكا تاما أن الأخطاء تتخلله، وندافع بل وقد نهاجم أيضا رافضين الشعور بالنقص متعلقين بوهم الكمال والمثالية.

“الدين النصيحة”، “لنا جميعا حق النقد”، “التعبير عن الرأي حق مشروع”، كلها شعارات نرفعها لتغطية المسمى الحقيقي لما نمارسه وهو الانتقاد. نجهل أو بالأحرى نتجاهل الفرق الشاسع والواضح بين النقد والانتقاد فالأول لأهل الاختصاص يبنى على براهين وحجج عقلية ومنطقية بطرق إيجابية هدفها التصويب والتصحيح، تقييم العمل بمعزل عن صاحب العمل. أما الثاني فهو تطاول، تجريح وقلة أدب يهتم بالجوانب السلبية دون تصويب أو تبيان للحقيقة، ويتوجه غالبا لذم وانتقاص صاحب العمل ذاته.

شتان ما بين النقد البناء والانتقاد اللاذع، هذا الأخير الذي قد يتحول من فعل ناقص إلى عمل شنيع لا سيما عندما يصبح تنمرا لا انتقادا. فكثير من الأحيان إن لم يكن على الدوام نجلس جلسة القاضي، جلسة الناصح في موضعه الرسمي المقدس، ونبدأ في الدحض والانتقاد منزهين أنفسنا عن الخطأ وموجهين اللوم الكامل للطرف المقابل.

في هذا الصدد، أخذ موقع الطرف الغالب المتحكم المسيطر العالم بكل الأمور لا يأتي من فراغ ولا هو وليد الصدفة، إنما تتداخل في ذلك جملة من العوامل قد يكون أهمها التربية التي نشأنا بها وعليها، فانعدام الوعي بنقد الذات وعدم التربية على الإشارة والبدء من النفس أولا، ما يولد إلا شغف انتقاد الآخرين، فكل منا إن تأمل داخل نفسه قليلا سيجد من العيوب ما يقارب شعر الرأس، ومن النواقص ما يعادل زبد البحر، فعلا إنما الكمال لله وحده لكن هذا لا يعني تكثيف الأيادي وعدم الاشتغال على الذات لتحسينها وتطويرها، وبذلك الانشغال بالنفس وتجنب الكثير من الجدل العقيم والحقائق المشوهة تحت عنوان الانتقاد.

بهذا المفهوم، أضحينا مجتمعا من الواعظين المتفقهين الناصحين الذين لا يطبق أحدا منهم ما يعظ به، كلنا وصاة على الأغيار من حولنا متناسين مشغولين عن ذواتنا، إن كان من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه فخيرنا من يترك شؤون الآخرين ليعمل على نفسه أولا ويخرج تلك النسخة التي يحث الناس عليها من ذاته أولا، فلنأخذ الوصاية على ذواتنا فقط إلى حين إصلاحها، ونرقى لنناقش الأفكار لا الأشخاص. يقول روزفلت: “العقول العظيمة تناقش الأفكار ومتوسط العقول تناقش الأحداث أما العقول الصغيرة فتناقش الناس”، فلنسع للانضمام إلى العظماء.

1xbet casino siteleri bahis siteleri