موت الفلسفة: من العقلانية الطفلية إلى البناء الأسطوري

110

نؤكد في البداية على مسألة جوهرية؛ ذلك أنّ الواجب يقتضي منّا تجلية بعض الغموض الذي قد يساور القارئ الكريم حول المضمون المحوري لدور الفلسفة من ناحية عامّة، حيث إن التفكير يتطلب ترتيبا خاصا لأجل تحقيق نتائج تعتبر من الأهمية بمكان لإسهامها في تقدم الحضارة الإنسانية الكونية. وإذا قمنا بعمل ملاحظة بخصوص طبيعة التفكير اليومي لدى عامة الناس سنجده يخزن في لاوعيه الخاص مجموعة من التصورات والتمثلات حول “الفلسفة” بحيث يصنفها باعتبارها “كلاماً” أو “ثرثرة” وفي الغالب يطلق وصف “الثرثار” على من لا يحسنُ السكوت أو يتحدث “في كل شيء”، وتجليات هذا الوصف تتمثل في كثير من أمور حياتنا وليس أدل على ذلك من أن تسأل أحدهم ما إذا كانت هناك حرية أم لا ؟! أن تسائل فكره وكيانه وحركته هل هو حر عندما “اختار” السفر أم أن مجاله اختياره محدود بفعل وجود عوامل جوهرية تلح عليه الفعل من عدمه؟

هذا السؤال يحيلك في تمثل محاورك إلى “كائن ثرثار” وبذلك أصبحت الفلسفة -وفق هذا المقتضى- مفردة ذات رمزية بسيطة تعبر عن فعل من جنس الأفعال التي لا يستسيغها المجتمع، حيث إن إلحاق صفة “الثرثرة” بفعل “التفلسف” كونه مواجهة عقلانية ضد كل صور التفكير الخرافي، وعليه يمكن التأكيد على هذه الحقيقة: أن فعل التفلسف هو مقياس العقلانية الخالصة كونه يفك الارتباط بكل فعل يصدر تنفيذا لتلك التمثلات المخزنة في اللاشعور. وبالتالي فإذا كان العقل يمحص الحقائق بناء على مناهج علمية خالصة تمكن الوعي بظروف وملابسات الحقيقة أو الظاهرة، فإنه على العكس من ذلك لن يغفر لنا المنطق أن نعد كل ما ينتجه اللاوعي فلسفة لأنه لا ينطوي -اللاوعي- إلا على الأوهام والتصورات الخاطئة.

إن إصباغ “الثرثرة” على فعل التفلسف ينطوي على نوع من الخشية، الخوف من مواجهة الحقيقة، على اعتبار أن الذي يطلق هذا الوصف لا يحاول الهروب من واقع أنه غير قادر على التفكير بعقلانية وحسب، بل إنه يتهرب من جانب أنه لا يتحمل التفكير بوضوح أيضاً. إن العقل العربي الذي يرفل في أغلال التقاليد الموغلة في الخرافة والمتشبث بمكتسب التراث باعتباره يمثل تاريخ وجوده الخاص لا ينظر إلى الفلسفة بوصفها أسلوبا فريدا من التفكير، بل ينظر إليها من زاوية أضيق من صدره فيراها ذات قدرة قوية على تحريف الفطرة، كونها تمد بآليات منطقية تدفع إلى مجابهة القدر ومساءلة الوجود بما يتضمنه من معطيات غيبية وميتافيزيقية. وعلى هذا الأساس، تنبني فكرة تحريم الفلسفة عند بعض المجتمعات العربية كونها تمثل اتجاها معاديا للدين -الإسلام على الخصوص- وللفطرة السليمة، وأنها تخوض في المرجعيات الكبرى لهذا الدين أو ذاك من خلال البحث في النصوص واستنطاقها وكشف ما وراء النص المقدس عبر إعادة قراءته وتأويله انتصارا للعقل والمنطق والعلم.

إن المنطق الذي يحكم تحريم الفلسفة أو على الأقل تسويد صورتها وتبغيضها في نظر المتعلمين وغيرهم، هو منطق الجمود الفكري الذي ينطلق من كون أن الوجود مفهوم ولا يتطلب بلوغ فهمه أكثر من قراءة التراث ومراجعة النصوص الدينية، على اعتبار أنها تشمل الوجود بكل مكوناته وعناصره وتوقعاته، وبالتالي عدم الحاجة إلى استخدام العقل والتفكير والنقد.

إن أول أمر يمكن فعله لتعطيل العقل هو تغييب الفكر النقدي الذي يؤسس لكل انبناء حضاري ومجتمعي مستقل، حيث تقع أكثر أنواع الجرائم الفكرية فظاعة لدى المجتمعات المتخلفة، منها على الخصوص هدم أولى محاولات بداية التفلسف بالنسبة للطفل، فهو يبدأ بطرح أسئلة جوهرية تتعلق أساسا بأصل الوجود والكينونة وهذا أمر صحي لعقل كل طفل ما دام أنه يحاول التعرف على ما يعتبره الإنسان العادي شيئا بدهيا، نعم إنه يتعرف إلى عالمه الجديد عبر عقلانية خالصة تقوم على الطهارة الحقيقية غير المختلطة بأدران من يُعد في حكم السِّنِّ عاقلاً. هذا العقل المحض الذي يكون للطفل وهو في الخمس أو الست سنوات أو هذه العقلانية الطفلية تصاحب نموه إما في صورة تصاعدية وإما أن تتخذ شكلا تنازليا.

نستنتج، طبقا لهذا المعطى، أن العقل يمكن أن ينمو ويتشكل بصورة مدهشة إذا وجد البيئة الملائمة لطبيعته، وإلا تكيف مع الواقع وخضع لمشيئته. يقول المفكر والفيلسوف الجزائري مالك بن نبي: ”لا يقاس غنى المجتمع بما يملك من أشياء، بل بما يملك من أفكار“. وعليه فإن المجتمع الذي ينشد الحضارة والرقي من خلال الأفكار هو نفسه المجتمع الذي يسقي تلك البذرة التي تتبدى في الطفل حين يكشف عن شخصيته العقلانية من خلال ما يطرحه من أسئلة، وصناعة العقلاء لا تتم إلا بتوفير الشروط الضرورية لنمو الفكرة حتى تصبح قوية وقادرة على أن تكون سببا في تغيير المجتمع.

وليس من شيء أقدر على تحفيز خطوات الطفل إلى أن يصبح قادرا على الخطو بسهولة ويسر، من أن تكون الأسرة مرجعا لتغذية قدرات الأبناء بالأفكار والتحفيز المستمر لدفع العقل نحو التحرر، وحتى لا يبقى مشدودا إلى أرضه وواقعه. إن العقلانية الطفلية تحتاج إلى محيط لديه القابلية للنقد والمراجعة والتفكيك وفي حالة عدم توفر الأرضية المناسبة لتشكل شخصية الطفل فعلى الأقل ألا يواجه العقل بالموروث الثقافي والتقاليد الضاربة في الخرافة؛ لأن من شأن هذا النوع من ردود الفعل أن يتسبب في انتكاسة الطفل فيتحول نتيجة ذلك إلى ناقل إضافي للظلامية والتخلف.

وفي البلاد العربية يمكنك أن تتتبع تحولات العقل باستغراب شديد، ففي البداية يولد الطفل وهو يحمل في داخله ذلك العبقري الفذ ينطلق في مراحله الأولى بالظهور عبر تساؤلات هي من الصعوبة والحرج بمكان، يتساءل عن ذاته وعن الأشياء، يحاول اكتشاف حقيقته وماهية الوجود عبر تلك التبديات العقلانية لكنه يصطدم خلال نشاطه الفكري بجدار سميك من الردود الساذجة والبسيطة والتي تحكم إغلاق عقله داخل منظومة من الأفكار والمعتقدات الدينية المشوهة، ولأنها أسئلة حرجة فهو يتعرض للتأنيب من طرف الأبوين لأنهما درجا على التصديق الساذج والتفسير الميتافيزيقي للأشياء.

بعد أن يتوارى العقل إلى الخلف تبدأ مرحلة البناء الأسطوري وهي مرحلة تتسم بتشكيل شخصية الطفل انطلاقا من التكوين التقليدي الذي نشأ به الأب أو نشأت به الأم ونعني بذلك قولبة العقل وتنميطه طبقا لصورة المجتمع وعاداته، أي البحث عن الاستقرار المولد للعجز والكسل الفكري.

إن العقل في هذه المرحلة يعلن حالة الطوارئ الوجودية، لأنه يصبح على مشارف الموت بعد أن يتدهور كليا بفعل الضربات القوية المسددة إليه من كل جانب والمحملة بالأجوبة الجاهزة لا تسمن ولا تغني من فكر سوى أنها تحمله على تقبل الأشياء على ما هي عليه دون خوض غمار التفكير في ماهيتها أو تحديد طبيعتها. وإذا كانت التشريعات والقوانين الدولية والوطنية تؤسس فعل الجريمة المرتكبة في حق الطفل على معايير مادية بحتة من قبيل الاعتداءات الجنسية أو العنف الممارس عليه من طرف أسرته أو مدرسته فإنني أعيب على هذه التشريعات قياسها الفاسد لحقوق الأطفال وإغفالها اعتبار منع الأطفال من تحرير أفكارهم بواسطة ممارسة السؤال الفلسفي اعتداء معنويا على حقوق الطفل، وحقيقة ذلك أن منع الأطفال من حرية الفكر وحرية التعبير وعدم تقييد أنشطتهم الذهنية بمبررات دينية أو ثقافية أو عرفية يؤسس بطبيعة الحال لنموذج الطفل المجرم، وتساعده في تكوين شخصيته المنحرفة كل التعاليم والدروس والقيم التي يتلقاها سواء في البيت أو في الشارع، المدرسة، الجامعة…ففي النهاية لن يكون قدوة لغيره لأنه ببساطة كل ما تلقاه وسمعه لا يزيد من تطويره وتحسين مستوى تفكيره بل يقوده ذلك إلى تشكيل صورة الإنسان العاجز الذي تعلم وهو صغير أن لا يفكر بعقلانية سديدة.

1xbet casino siteleri bahis siteleri