معضلة الكاتب مع الكتابة

بعض من لم يعالج مرارة التحبير وتمنُّع التعبير، يظن أن بميسور الكاتب تسويد الصفحات متى عنَّ له ذلك.. فاليَراع طوع أمر سيّده يسيل في كل وقت وحين! غير أن واقع الحال أبعد ما يكون عن هذا؛ فإن للكاتب لحظات يتمنّع عليه فيها الحرف تمنّعا مريبا حدَّ الإعياء، وإن قهره الكاتب تمرّد عليه ولم ينصع لرغبته، ومال به تلقاء التقعّر والتوعّر…ومهما أتى صاحبه من حيل، وقدّم من قُربات، لم يكن لذلك عليه كبير أثر أو نفع، وكان فعله معه كمن يروم حلب بقرة عجفاء جفّ منها الضرع مذ مدة مديدة!

وعلى ذلك، فإن للكتابة لحظات فُجائية، تأتي بغتة تَدهم عقل الكاتب على غير اتفاق، مدعومة بمشاعر طارئة مؤذنة بتنضيد نصوصٍ طويلة وفق نسق واحد متناغم، وفكرة محددة مركّزة، تنثال عليه فيها الأفكار انثيالا وتأتيه الخواطر اضطرار، يختار منها ما يُرِيد، ويَرُدُّ منها ما يشاء على حسب مقتضاه في اختيار الموضوع المطروق، على نحو يسابق فيه قَلمهُ فكره في تثبيت الكلمات المتزاحمة في عقله، قبل أن ينفرط عقدها وينتثر جمعها، ويُزايلَهُ إلهام اللحظة. لذلك على الكاتب أن يكون صيادا بالغريزة يُحسن اقتناص مثل هذه اللحظات الطارئة، ويغتنمها غاية الاغتنام، ففيها يُفرق كل أمر رزين متين.

غير أنّ جودة المكتوب تستلزم استصحاب خبرات السنوات الماضية المعتمدة على طول المراس وكثرة المران، ذلك لأن كثرة المزاولات تعطي الملكات وتقدح زناد الفكر وتشحذ زمام العقل وتبُثُ الحياة في مَوَاتِ الجُمل المهملة وتَنْفُخ فيها من روح المعاني السامية، فتستحيل كلماتٍ مونقة تَسرُّ القارئين وتسلذّهم لطلب المزيد على نحوٍ شره لا يَشعر متعاطيها معها بالتُخمة على طول الاستزادة، فهو في طلب مستمر، والتهام دائم، ولا يزيده طلبه ذاك والتهامه هذا إلا جوعا وشراهةً، حتى يُحسَّ من نفسه بعض الإتقان ويجد منها بعض الإجادة على كرِّ الأيام وتطاول السنين، فينتظم بدوره في سلك المنشئين المبتكرين لأبكار الأفكار التي لم تُطمث من قِبَلِ إنسٍ ولا جان!

لذلك على الكاتب أن يُحرّك زوارق فكره دائما، ويمخر عباب الخلجان المختلفة دون انقطاع وألا يستنيم للدَّعة أن تكتسح أوقاته فتُرسيَّ مراكبه على موانئ البطالة لرَدحٍ من الزّمن طويل، فيصدأ قلمه ويَكِلَّ عقله، حتى إذا ما رام أن يُحَكِّمه لم يَسِل بشيء، وذلك ما ألمح إليه شيخنا أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ حينما قال ناصحا وموجّها: “لا تُهمل قريحتك فيستولي الإهمال على قوّتها ويستبدَّ بها سوء العادة.”، لذلك، لا بد من ترويض النفس على الصبر مع المقروء وتعريضها لأنواعٍ من أطايب الثمار، لكون النفس تَملُّ وتَكلُّ، فلا غضاضة في التنويع، إذ المداومةُ على مطعومٍ واحدٍ مؤذنٌ بالنفور منه واستقباح طعمه، ومجّه على طول التناول.

غير أن ثمّةَ أُناسٌ لم تَتَحقّق فيهم النتيجة المرجوة من طول المِراس، ولم يحصدوا الغِّلة الوفيرة بكثرة المزاولة، وهم على طول انغماسهم في التحصيل وعكوفهم على الأخذ لا يزدادون إلا بُعدا، وفيهم قال شيخنا الجاحظ: “…بل أعرف أن من الناس من لا تكون الكتابة صنعته أبدا ولو أنهَكَ في ذلك جسده وأفنى عمره.”، لأن الكتابة مرهونة بما سمّاه (يوسا) بـ ” الميل الفطري ” الذي يسمّيه البعض بالموهبة التي تخلق مع الإنسان وتوهب له من لدن حكيم خبير، يجدها المرء من نفسه في لحظات استهلاله في هذا الميدان المتشعّب، فيسعى جهده لصقل موهبته وتطويرها عبر القراءة والكتابة المستمرين، لكون هاذان الأخيران صِنوان لا ينفصمان في رحلة الصَقلِ والحَذْقِ، ولكون القراءة المستمرة الطويلة نتيجة حتمية للكتابة.

وإذا ما استجمع الكاتب الشروط اللازمة التي تؤهله ليكون كاتبا، وتحققت فيه الموهبة، وأفرَغ جهده لصِقلها، يكون بذلك كاتبا تاما مميَّزا عمن عُدموا أعطية الموهبة، رغم تنوّع مقروءاتهم، وكثرة مزاولاتهم، واستطاع أن يستَطِيلَ على بدايات مفتعلة في كتاباته، بغير تحديده لوجهة معينة، ودونما رسم خارطة مسبقة يتقيّد بها، ويسير حذوها، فيسلم نفسه لمخياله الغصب وما يجود به عليه من أحداث يكتنفها الغموض، يكون تَحَديه فيها، أن يرفع عنها اللّبس ويُجَلّي مستبهمها، وهذا النوع من الكتّاب هو ما أسماه (أورهان باموق) بـ “الكاتب الساذج” وهو الذي توفّرت له المقدرة على الكتابة بشكل فطري، دون أن يألو كبير اعتبار لتَسَاؤلٍ مسبق، عما يريد قوله، وما يرغب في إصاله، غير أن الوصف يفقد فاعليته إذا كانت رؤية الكاتب ضبابية الموضوع، فكلما زاد وضوح الصورة في رأس كاتبها، سهل نقلها إلى القراء، كما يقول (ستيفن كينغ): “…فإن الوصف الفعّال يبدأ بعملية تصور للموضوع الموصوف، ونقل هذه الصورة من عقل الكاتب إلى عقل القارئ.”

وجملة القول، إن الكتّاب نوعان؛ نوع طلب الكتابة من طريق الأخذ بمبادئها وتقيّد بما خطّه له السباقون في هذا المضمار، وسعى جهده لبلوغ الثمرة بعزيمة ماضية وإرادة حذاء.. فهو بالغ بعض ما أراده ولا ريب. ونوع آخر مُلهم، وافق طبعه هذا الفن وتهيّأت نفسه لاستقباله والذوبان فيه بشكل فطري.. فهم المبرَّزون حتما والمتفوقون دوما. أما الذين لم يتغلبوا على طباعهم ولم يُكتب لهم أن ينالوا حظا ولو يسيرا في ترجمة ما يعتمل في دواخلهم لكلمات، وينقلوها للقراء بنفس اهتياجها فيهم واختلاجها في دواخلهم، فحسبهم القراءة عزاءً عما فاتهم، ولن يعدموا شرف المحاولة في كل مرّة.

1xbet casino siteleri bahis siteleri