أحمد أمين نتاج أسرة علم محافظة

57

لا يخفى على الجميع الدور المركزي للأسرة في تكوين شخصية الإنسان، إذ تعتبر أساس المجتمع والخلية الأولى لنسيجه الكبير، فهي أساس تماسكه وترابطه، وسلامتها من سلامة المجتمع وفسادها من فساده، ولمّا كان الإنسان ابن بيئته فإن كثيرا من عظمائنا نهلوا أول الأمر من أسرهم العلم والأخلاق وتشبعوا بها، فها هو الأستاذ الكبير أحمد أمين الذي كانت عظمة علمه مستوحاة من أسرته التي تلقى فيها تربية خاصة يقول: “كانت أول مدرسة تعلمت فيها أهم دروسي في الحياة بيتي.”

البيت؛ هنا تبدأ رحلة هذا العظيم في تكوين شخصيته، وبناء حياته المليئة بالإنجازات، هذا الرجل الذي وصل إنتاجه العلمي الذروة وأصبح محط اهتمام كثير من العلماء، وكل هذا الكم الهائل من الإنجازات إنما هو نتاج تربية وظروف خاصة عاشها في حياته يقول في هذا الشأن:” ما أنا إلا نتيجة حتمية لكل ما مر عليّ وعلى آبائي من أحداث؛ فالمادة لا تنعدم وكذلك المعاني” فاعتبر حياة الإنسان تراكمات يعيشها بداية من الأجداد متواصلة في العطاء إلى قيام الساعة، فكل طبقة في الأسرة تتأثر بالتي قبلها، فيعيش الفرد سيرورة من الأحداث تُنتج لنا إنسان بشخصية متأثرة بمن قبلها.

فكان الأب هو العنصر الأساسي في تربية الدكتور أحمد أمين بعدما كان الأب نفسه تلقى اهتماما خاصا من قبل أسرته حتى أصبح من رجالات العلم والمعرفة بل من الأساتذة المبرزين الذين تصدو لمهنة التدريس وحاملي مشعل التربية والتعليم، وهكذا يتحدث عن كيفية رعاية الأخ الأكبر لأبيه “ولكن نزعة غلبت عليه فوجَّهه نحو التعليم واحتمل نفقته؛ فهو يحفظ القرآن، ويلتحق بالأزهر، ويخجل أن يرهقه بالإنفاق عليه فلا يطلب إلا بالضروري، وإذا احتاج إلى كتاب يُقرأ في الأزهر خطه بيمينه…”، هكذا كانت رعاية وتربية الأب من أخيه الأكبر، لينقلها إلى أبنائه من بعد وبالخصوص ابنه أحمد، أما الأم فكانت من أسرة متدينة ناجحة في التجارة ولهم أيضا حظ متواضع من العلم “وكل ما أعلمه أن أخوالي في حي في وسط القاهرة قريب من باب الخلق، وكانوا يشتغلون في تجارة (العطارة)، وكانوا ناجحين في تجارتهم، وكانوا -مع مهنتهم التجارية- يحفظون القرآن، ويحسنون قراءته، ويلتزمون شعائر الدين” هذا ما ميز التركيبة الأسرية لأسرته، أب عالم وأم نشأت في أسرة محافظة متخلقة، وهذا ما ينطبق عليه القول المشهور ”ذاك الشبل من ذاك الأسد”.

ويتميز الطابع العام للأسرة بالهدوء والبساطة في العيش، وكان الأب هو معين الأسرة وسيدها، ولا يُقطع أمر بدونه كتب في ذلك: “كان بيتنا محكوما بالسلطة الأبوية”، أما الجِد فهو الطابع السائد في حياة الأسرة “كان بيتنا -على الجملة- جِدا لا هزل فيه”، التدين والمحافظة كان لهما الأثر الكبير في الأسرة، ومصدر السمو الروحي، والثبات الأخلاقي وصف تلك الأجواء الروحية “وعلى الجملة فأنت إذا فتحت باب بيتنا شممت منه رائحة الدين ساطعة زكية”، هنا يتبين لنا المرجع الأخلاقي ودوره في استقرار أحوال الأسرة ونجاحها.

يبقى الأب هو المادة الأساسية ومربط الفرس في نشأة الدكتور أحمد أمين، وذلك للاهتمام المبالغ فيه في تربيته على الأخلاق الحميدة وحب العلم والمعرفة والبحث عنها، وهذا نابع من الأمانة والمسؤولية العظمى التي يحس بها الأب تُجاه أبنائه فكان “يشعر شعوراً قوياًّ بواجبه نحو تعليم أولاده، فهو يعلمهم بنفسه ويشرف على تعليمهم في مدارسهم، سواء في ذلك أبناؤه وبناته، ويُتعب في ذلك نفسه تعباً لا حد له، حتى لقد يكون مريضاً فلا يأبه بمرضه، ويتكئ على نفسه ليلقي علينا درسه..”، هكذا هي التضحيات التي على الآباء ان يقدموها لأبنائهم، وهي نابعة من الواجب الذي يحملونه على أعناقهم، فلا ثمار دون بذور وغرس وسقي، فالآباء هم الذين يغرسون البذور الأولى ويسقونها بعنايتهم وتربيتهم، ويقطفونها في كبرهم عند عجزهم عن متاعب الحياة.

مقالات مرتبطة

والبيت ليس كسائر بيوت عامة الناس، ولكنه تميز بكون أكثر ما فيه الكتب؛ هذه المادة الحيوية والجوهرية في تكوين الشخصية المثقفة العالمة، وصف أحمد أمين ذلك أبلغ وصف “أما أكثر ما في البيت وأثمنه وما يشغل أكبر حيز فيه فالكتب!” وهذا راجع لعشق الأب لها، فورّث هذا العشق للابن، وكان وجود هذه المكتبة الضخمة في البيت مصدر التعلم والإلهام الفكري للدكتور أحمد أمين “وكانت هذه المكتبة أكبر متعة لي حين استطعت الاستفادة منها، وقد احتفظت بخيرها واتخذته نواة لمكتبتي التي أعتز بها وأمضي الساعات فيها كل يوم إلى الآن.”

“أما المدرسة الثالثة فكانت الكتَّاب” وقبلها الحارة أو الحي الذي يعيش فيه، فصحبه أباه ليسجله في كتّاب قريب لمكان سكناه في أول طلبه للعلم، ودرس في كتاتيب كثيرة في حيه، وكان لها من الأثر الكثير في تنشئته العلمية، ولكن يبقى الكُتَّاب الأكبر والأعظم وهو وقت الدراسة مع أبيه”وكان لي من حجرة أبي في البيت يوم الجمعة وفي أوقات الفراغ كتّاب آخر، سيدنا فيه هو أبي، أحفظ فيه جديداً وأسمع فيه قديماً”، أما أسلوب أبيه في الدراسة والتربية معا، فكان قاسيا جدا، فلم يرحمه في التحصيل، ووضع له برنامجا محكما، يسير وفقه في التعلم واصِفاً إياه بالمرهق والغريب.

كانت ملازمة الأب للإبن سائدة بقوة في جميع أحوال التعلم والحياة اليومية، فهو لم يتركه لحريته في طفولته إلا نادرا، فمرحلة الطفولة تعتبر التربة الخصبة للتربية والتعلم، ولما أحسن الأب الزرع، كان شكر الإبن متواصلا طيلة حياته، لما قدمه له من الخدمات الجليلة وحسن التربية والتعلم شاكرا له في مذكراته: “ولكن جزاه الله خيرا على تعبه المضني في التفكير في مستقبلي، وغفر الله له ما أرهقني به في دراستي”، هذا حال المخلصين من الأبناء في شكر آبائهم على تضحياتهم الجسيمة، من أجل اخراجهم عظماء في الحياة.

الأسرة مركز كل نجاح، والعظماء يخرجون من رحم الأسرة التي أحسنت التربية والتعليم، وهذا نموذج يحتذى به، إذ هو من العوامل التي أثرت بشكل كبير في خروج عالم موسوعي للوجود، وهو المعترف بذلك بقوله: “ما أنا إلا نتيجة حتمية لكل ما مر عليّ وعلى آبائي من أحداث؛ فالمادة لا تنعدم وكذلك المعاني”، فعلى الأسرة أن تجعل التربية القويمة والتعليم الحسن من أولوياتها العظمى، حتى يتسنى لنا أن نُكوّن مجتمع متخلق قوي متماسك ناجح، فبالعلم ترقى الأمم، وبالأخلاق نتصدر قائمة التحضر والرقي، وبهذا نبني مجتمع نتنافس به مع العالم.

وزبدة الكلام ما قاله في مذكراته حياتي: “ولكن الموقف النبيل يقضي بأن تربية الأولاد ليست تجارة، تُعطى لتأخُذ وتبيع لتربح، إنما هي واجب يؤديه الآباء لأبنائهم وأمتهم، فإن قدَّره الأبناء فأدوا واجبهم نحو آبائهم فيها، وإلا فقد فعل الآباء ما عليهم، والمكافئ الله”.