الأندية المدرسية: آلية لترسيخ قيم المواطنة وحقوق الإنسان

467

المدرسة هي العمود الفقري للمنظومة التربوية، ومصنع العقول والأجيال، من خلال ما تقدمه للناشئة من التعلمات والمعارف والكفايات التربوية الأساسية، وكذا تزويدهم بالمهارات الحياتية التي تمكنهم من مواجهة مختلف وضعيات الحياة، ولها أدوار أساسية متمثلة؛ في التربية والتعليم والتكوين والتنشئة على القيم والإسهام في الارتقاء الفردي والمجتمعي، وبهذا تكون المدرسة مؤسسة تربوية اجتماعية، يلتقي فيها المتعلمون والمتعلمات، ويقضون فيها معظم أوقاتهم، يتلقون فيها مجموعة من المعارف والقيم، إذ يعتبر الوقت الذي يقضى فيها حياة يعيشها المتعلمون. تهتم الحياة المدرسية بالتنشئة الشاملة لشخصية المتعلم، كما تروم تحقيق مجموعة من الكفايات والقيم تأتي في مقدمتها التربية على القيم الإنسانية وقيم المواطنة وحقوق الإنسان ومبادئها الكونية، وذلك بواسطة أنشطة تفاعلية متنوعة، يساهم فيها كافة المتدخلين في المنظومة التربوية على مستوى المؤسسات التعليمية وفق رؤية شمولية توافقية فيما بينهم.

النهوض بثقافة حقوق الإنسان ونشر قيمها يعتبر ضرورة ملحة داخل الوسط المدرسي، وذلك لارتباط المنظومة التربوية بمحيطها المجتمعي، وما تقدمه من تربية على المواطنة والسلوك المدني، وهذا لن يتأتى إلا بنشر ثقافة حقوق الإنسان من خلال زرع التثقيف في مجال حقوق الإنسان في النظام التعليمي، كما يعتبر هذا من الأدوار الأساسية للمؤسسات التعليمية، الذي تقدمه عن طريق العرض التربوي الموازي المتمثل في الأندية التربوية وتفعيل الحياة المدرسية وتعميم مناهج التربية على حقوق الإنسان في الوسط المدرسي، ولكون المدرسة وصيرورتها التربوية تستهدف الأطفال واليافعات واليافعين، في طور التنشئة وبناء الذات وتنمية الكفايات المعرفية والتواصلية والحياتية، فهي مؤهلة لاستيعاب واستبطان وتَمثل قيم ومبادئ ثقافة حقوق الإنسان، بجعل التربية على حقوق الإنسان في مقدمة تطلعاتها والاشتغال على تحقيقها من خلال نوعية الكفايات التي تنميها لدى الأطفال والشباب لتنمية قدراتهم الشخصية.

إن المؤسسات التعليمية بمختلف مستوياتها تعتبر المجال الأمثل لترسيخ قيم المواطنة وحقوق الإنسان، عبر التعليم والتنشئة والتوعية والتأهيل، هذه الوظائف التي يتم تصريفها عبر المناهج والبرامج وتشريب القيم وأنشطة التفتح المندمجة والموازية والأندية التربوية، وللارتباط الوثيق للنادي بالحياة المدرسية، باعتبار هذه الأخيرة محتضنة له، ولكونه يستهدف الاقتراب من الواقع الحي للمتعلم، بحيث يعتبر آلية لتفعيل أنشطة الحياة المدرسية، كونه إطار تنظيمي وآلية منهجية وعملية لمزاولة الأنشطة التي تنظمها المؤسسات التعليمية بإسهام من الفاعليين التربويين، كما أنه يمثل إطار تربوي وتأطيري لاكتشاف المواهب وتنمية وتطوير مؤهلات وكفاءات المتعلمين والمتعلمات في مختلف المجالات، وإذكاء روح العمل الجماعي فيما بينهم عبر التواصل والممارسة الميدانية واكتساب أساليب وتقنيات البحث، كما أنه يشكل مجموعة متجانسة من المتعلمين والمتعلمات، من مستويات دراسية مختلفة، تجمعهم صفة الميل المشترك لمجالات الأنشطة التي يشتغل عليها النادي، بحيث يقبلون على الانخراط التلقائي والفعلي في إنجازها، تحت إشراف تربوي، بما يتيح لهم تنمية مجموعة من الخبرات والميول والقيم والكفايات التربوية وربطها بالواقع المحلي والآني، في جو يسوده الشعور بالانتماء والتطوع، والمبادرة، والعمل الجماعي، والتعاون، والتضامن، وقبول الاختلاف، والتفاعل الإيجابي…

إذا فالأندية التربوية تشكل في المؤسسات التعليمية فضاءً تربوياً ملائماً لتنمية مؤهلات التلاميذ في مختلف المجالات وتسعى لاكتشاف ميولاتهم وصقل مواهبهم، وأيضا تشكل بالنسبة لهيئتي التدريس والإدارة التربوية إطارا لإنجاز أدوارهم التربوية والارتقاء بالعلاقة بينهم وبين المتعلمات والمتعلمين، مما يحدث آثارا إيجابية مباشرة على مسار تعلمهم وحافزيتهم وسلوكهم واهتمامهم، ويقوي ارتباطهم مع مؤسستهم، بما يسهم في تحقيق مدرسة الاحترام والتضامن، كما يعتبر التطوع في تأطير الأندية هو المحرك الرئيسي للانخراط الجماعي في إنجاز الأنشطة التربوية داخل الأندية، وهذا يجعلها إطارا تربويا مهما، سيساهم في نشر ثقافة المواطنة وحقوق الإنسان، والقيام بدور التربية على حقوق الإنسان التي تضطلع بمهمة ترسيخ القيم المستدامة الخاصة لحقوق الإنسان والمتسمة بالانسجام والديمومة في وعي وسلوك الأفراد والجماعات والمؤسسات، وأيضا التربية على المواطنة التي لا تنفك عن حقوق الإنسان، لكونها تجعل المتعلمات والمتعلمين يشعرون بالانتماء والعضوية الكاملة والمتساوية في المجتمع، بما يترتب عليها من حقوق وواجبات، كل هذا يظهر جلياً من الأهداف السامية التي تسعى الأندية التربوية إلى تحقيقها، بداية بطريقة تأسيسها بشكل ديمقراطي وصولا للأنشطة التي تحقق بها أهدافها، كما أنها تتبنى إرساء مبادئ أساسية متمثلة فيما يلي:

  • الدور المركزي المحوري للفئات المستهدفة في إحداث النادي وهيكلته واختيار مواضيعه وتدبير أنشطته وإشعاعه وتقويم أعماله؛
  • حرية اختيار الأنشطة التي تستجيب للحاجيات والميول بحيث يبدي رواد النادي آراءهم ويساهمون باقتراحاتهم في مختلف الأنشطة تخطيطاً وإنجازاً وتقويماً؛
  • تنوع أنشطة النادي بكيفية تستجيب لتنوع الحاجات والميول والمواهب والتطلعات؛
  • حرية الانخراط في النادي بغض النظر عن الانتماء لقسم أو شعبة أو مستوى معين؛
  • تسيير الأندية المنشأة بالمؤسسات وضبطها بقوانين خاصة بها، وعلى رواد النادي الانضباط لنظامه وميثاقه الداخلي؛
  • النادي مشترك بين المعنيين به والمنخرطين فيه، يتم تدبيره وتنشيطه وفق مقاربة تشاركية لتوزيع الأدوار والمسؤوليات والمهام القابلة للتعديل؛
مقالات مرتبطة

كل هذه المبادئ تجعلنا أمام تجسيد عملي للمقاربة التربوية والتشاركية في تدبير الحياة الداخلية للمؤسسة، وتسعى أيضا إلى تحقيق أهداف متعددة يمكن إجمالها كالآتي:

  • تنمية الشخصية والاتجاهات والقيم الإيجابية تجاه الآخر والجماعة والمجتمع؛
  • تنمية قيم التربية على المواطنة والتمرن على تحمل المسؤولية والممارسة الديمقراطية؛
  • استثمار التعلمات في الحياة العملية، وتوظيفها في الوضعيات الاندماجية؛
  • إذكاء الفضول المعرفي والعملي لدى الفئات المستهدفة من رواد النادي؛
  • تقوية الشعور بالانتماء إلى الجماعة والمؤسسة والمجتمع؛
  • دعم المبادرة الفردية، والتربية على العمل الجماعي؛
  • إذكاء روح التعلم التعاوني والعمل الجماعي والتثقيف بالنظراء؛
  • التربية على إبداء الرأي، واحترام الرأي الآخر، وقبول الاختلاف؛
  • معالجة ظواهر الاختلاف والانحراف، وتنمية السلوكات المدنية والعلاقات السليمة؛
  • فسح المجال أمام رواد النادي لتفجير طاقاتهم الإبداعية والفنية؛
  • تنمية قدرات التنظيم والتدبير والبرمجة والتقويم، ومهارات العمل في مجموعات؛
  • تعزيز الانفتاح على المحيط الخارجي واهتماماته وكذا على شركاء المؤسسة…

كل هذا يجعلنا أمام مدرسة حقوقية تزرع قيم المواطنة وحقوق الإنسان في النشء، بحيث تحقق تنشئة المتعلمات والمتعلمين وتنمية شخصيتهم الإنسانية بكل أبعادها الوجدانية والفكرية والاجتماعية والثقافية، وهي بذلك تستشرف المدى البعيد لكونها تهم الناشئة وأجيال المستقبل، في أفق التشبع بثقافة حقوق الإنسان، وتمثلها في المعرفة والسلوك والممارسة، كما يجب التأكيد على حق كل فرد في التعليم كأولى الأولويات، ووجوب أن يهدف إلى الإنماء الكامل لشخصية الإنسان وإحساسه بالكرامة، بحيث يمكّن جميع الأشخاص من المشاركة بشكل فعال في مجتمع ينعم بالحرية ويعزز التفاهم والتسامح، مما سيؤدي بنا إلى مجتمع يتسم بسلوكيات إيجابية تتعلق باحترام الآخرين والعدالة والتعاون، وقبول الاختلاف والتحلي بروح المسؤولية، ويعتبر تحقيق هذه القيم وترسيخها رهين بتظافر الجهود بين جميع مكونات المنظومة التربوية، وتفعيل الشركات الموقعة بين الوزارة الوصية والمؤسسات الدستورية المكلفة بحقوق الإنسان، وكذا الاهتمام بتكوين منشطي المؤسسات التعليمية والمشرفين على الأندية في مجال حقوق الإنسان، وتمكينهم من تحفيزات تجعلهم يبدعون في تنشيطها، كما يعتبر توفير الظروف الملائمة واللوازم التي ستمكنهم من تفعيل المبادئ وتحقيق أهداف الأندية ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها.

 

المراجع:

  • التربية على المواطنة وحقوق الإنسان – فهم مشترك للمبادئ والمنهجيات – منشورات المجلس الوطني لحقوق الإنسان 2015.
  • دليل الحياة المدرسية – وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والعليم العالي والبحث العلمي/ مديرية الحياة المدرسية – دجنبر 2019.
  • المذكرات الوزارية المتعلقة بالأندية التربوية.

 

 

 

1xbet casino siteleri bahis siteleri