قراءة في رواية ليالي إيزيس كوبيا لواسيني الأعرج

295

أخذ الروائي والكاتب الجزائري واسيني الأعرج على عاتقه مهمة التنقيب عن حقيقة النهاية المأساوية لقلم الشرق الحزين؛ الكاتبة والأديبة التي حظيت بمكانة جد عالية في المجتمع بداية القرن العشرين مي زيادة، والتي خطفت قلوب العديد من الأدباء والمفكرين في عصرها بخفتها ورفاعة ذوقها، وأناقتها ثم أكثر من ذلك، بعقلها المستنير وفصاحة لغتها ورحابة تفكيرها. فقد ألفت وأبدعت في عدة مجالات أدبية كالشعر؛ حيث كان أول ديوان شعري لها باللغة الفرنسية بعنوان أزاهير حلم Les fleurs de rêve نشرتها باسم مستعار وهو إيزيس كوبيا وهو نفس العنوان الذي اتخذه واسيني الأعرج لروايته.

ليالي إيزيس كوبيا في مستشفى العصفورية؛ كتاب قسمه واسيني الأعرج لقسمين حيث تناول في القسم الأول بعض المحطات التي وقف عندها، ثم المراحل التي قطعها وهو يحاول أن يبحث جاهدا عن المخطوطة التي كانت مخفية منذ عقود، وهي نفسها التي سردت فيها ووصفت الكاتبة مي زيادة معاناتها وحقيقة إصابتها بالجنون، ثم أخيرا الزج بها في مستشفى الأمراض العقلية المسماة بالعصفورية في لبنان من طرف ابن عمها وسبب كل آلامها الدكتور جوزيف زيادة، بعد كل الجهود المضنية التي بذلها واسيني الأعرج برفقة روز خليل تمكن أخيرا من الحصول على المخطوطة التي تروي بإسهاب الحقيقة التي تم طمسها منذ ردح من الزمن.

تبدأ الكاتبة مي زيادة بوصف ما حدث لها منذ وفاة والدتها، والتي كانت آخر حائط تتكئ عليه حسب كتاباتها؛ وبانهيار هذا الحائط تحطمت مي وانهارت هي الأخرى وأصيبت بانهيار عصبي لرحيل كل من أحبتهم من صميم قلبها، والداها ثم أخوها وحبيبها الوحيد الذي سلمته مفاتيح قلبها جبران خليل جبران سنة 1931. ولو أنه لم يحبها بنفس الشكل الذي أحبته هي، ثم وفاة والدتها التي تركت في قلبها جروحا لا تندمل. إلى أن انتهى بها المطاف وحيدة لا قريب ولا أنيس يخفف وطأة وحشتها.

أصيبت بانهيار عصبي واكتئاب حاد نتيجة ما تجرعته من آلام ناتجة بالأساس عن الوحدة القاتلة، هذا ما كان مرتعا خصبا لابن عمها لتنفيذ خطته المشؤومة فقد استغل وضعها هذا وأوهمها أنه بجانبها وسيدعمها ويساندها دائما كما سيتخذها زوجة لها؛ فهي حسب ادعائاته كانت ولا زالت حبيبته الوحيدة، فأخذها إلى منزله بلبنان وجعلها بعد الكثير من الخطط والخدع الماكرة وكلمات الحب الرنانة أن توقع له توكيلا يسمح له بأن يتصرف في كل أملاكها، وطبعا، بعد بلوغ مراده ارتأى أن أفضل طريقة للتخلص منها هي اتهامها بالجنون وإدخالها مستشفى الأمراض العقلية تحت الضغط والقوة.

هذا ما حدث بالفعل؛ تروي مي زيادة ما تجرعته من آلام داخل أسوار العصفورية، وكيف أنهم كانوا يقتلونها بكل برود شيئا فشيئا، تروي معاناتها مع الممرضة قاسية القلب، وتهكم الأطباء، ونقصان وزنها وحتى عن ظلم الصحافة التي تناست في لحظة مكانة الكاتبة العظيمة واتهمتها هي الأخرى بالجنون، لم ينصفها أحد ولم يقف بجانبها إنسي غير ممرضة رقيقة القلب كما تصفها، هي الوحيدة التي صدقتها وقاسمتها الجرح الذي قبع في قلبها.

لكن رغما عن محاولات بلوهرات أوسوزي الممرضة التي رق قلبها لمي فما لبثت تقنعها حول العدول عن فكرة الانتحار البطيء، المتمثل في رفض كل ما يقدم لها من طعام والاكتفاء بشرب القليل من الماء، إلا أن مي لم ترضخ لها واستمرت في تعذيب نفسها، خاصة عندما تكون لها مقابلة مع طبيبها أو مجموعة الأطباء الذين يأتون كي يشخصوا حالتها، حالة الكاتبة المشهورة أيقونة الجمال وأناقة الفكر؛ حيث تزيد مثل هذه المقابلات من عمق جراحها ولو أنها تحاول جاهدة أن تشرح بأنها ليست مجنونة وإنما ضحية طمع كبير أودى بحايتها، ظلت تؤكد في كل مرة لمن حولها بحركاتها وسكناتها وحتى طريقة حديثها أنها ليست مجنونة، لكن ما من مصدق لها، تروي في المخطوطة مأساتها بالتفصيل حول كل ما استقر في قلبها من أوجاع وجروح غائرة بين بني جنسها والبشر أجمعين وكيف لم ترأف القلوب لوضعها المؤسف!

ثم بعد مساندة بعض الرجال الأخيار لمي وتسليط الضوء على مأساتها من طرف الرأي العام، تمكنت من الخروج من جحيم العصفورية كما سماها واسيني الأعرج بعد معاناة شديدة، لكن آثار الظلم والمرارة التي تجرعتهما حول مكوثها في العصفورية حال دون استرجاعها لنفسها التي ضاعت؛ فقد فقدت الكثير ولم يكن من السهل عليها أن تحيا حياة طبيعية بعد كل ما كابدته في حياتها وكأنه لم يحدث شيء. هكذا قررت مي الرحيل من بيروت وكل ما قاسته فيها إلى إيطاليا حيث تدهورت صحتها أكثر ثم إلى القاهرة ولكنها لم تكن رحلة من أجل الاستجمام، بل لأنها أحست بدنو أجلها وأنها بالدرجة الأولى ذاهبة إلى هناك فقط كي تدفن بجانب أعز ما ملكته في حياتها: والداها.

تحمل رواية ليالي إيزيس كوبيا الكثير من الدلالات التي وجب اختصارها في أن المرأة في العالم الشرقي أو العربي بصفة عامة هي بحاجة دائما لسند، ولن تسلم بمفردها من الشرور المحيطة بها وستبقى فريسة سهلة للذئاب البشرية من أجل النوال منها مهما كانت مكانتها الاجتماعية والثقافية ومهما بلغت من علم ولعل القصة الحزينة للأديبة مي زيادة خير شاهد على هذا.

1xbet casino siteleri bahis siteleri