ذاكرة العوام ثلاثة أيام!

1٬303

لا تُلغي المأساة مأساة قبلها، لكن العقل البشري يداهن بالحيلة في أن يجعلنا نشعر بأقرب الأوجاع وأكثرها التصاقا. فقد يتناسى المبتورة رجله تلك منذ سنوات ويركز في حكة جلدية شديدة مسته ساعات أو بضعة أيام، أو يمكن أن ينسى أحدهم آلام أمعائه منذ يومين ويمنح اهتمامه لعلاج ألم ضرسه أو أذنه في تلك الساعة. حيث الأوجاع تختلط ببعض فتنسى هذه بتلك ولا تنتبه لأولها بل دائما لآخرها، تلك التي تقارعها الذاكرة وتتداعى لها سائر أعضائك بالسهر والحمى.

الذاكرة المثقوبة بمداها البعيد والقريب، تلك الذاكرة التي لا تفرق بين العوام والخواص. ذاكرة سمكية يستحيل معها إنشاء أرشيف بصري لشحنها كل وقت وحين، هذه الذاكرة التي عبر عنها المؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي أن ’’ذاكرة العوام ثلاثة أيام” حيث مآلها النسيان. هذه الثيمة المجتمعية التي عبر عنها كذلك الروائي نجيب محفوظ في روايته “أولاد حارتنا” قائلا: “ولكن آفة حارتنا النسيان..!’’ فنحن ننسى وننسى، ولا نقوم بشيء أمام هذه المخاضات إلا أن نتناسى ثم تتكلف الذاكرة البعيدة بأن تمحي تلك المشاعرة المشحونة داخلها مع ضربات الوجع الحديثة إلى أن ننسى.

في حالتنا كشعب؛ فإننا نعاني شرخا عظيماً في الذاكرة. ننسى ما بعد من الوقائع، وننسى ما كان من آلام كانت أقرب إلينا من حبل الوريد. صرنا ننسى بسرعة كثيرا من الأحداث الهامة التي تؤثر على مصير المجتمعات وطموح الشعوب وآفاق الأمم، صرنا ننسى أقوى الحوادث وأكثرها إيلاما بل وحتى فرحا -ولأننا شعوب عايشت وقائع البؤس إلا من لحظات لذة فرح عابرة- إلا ما علق منها لبعض الوقت، ثم تتلاشى في مهب النسيان، كحال امرأة ألفت الولادة كثيرا، وألفت المخاض العسير والطلق المخضب بالدماء والصراخ ثم تمر ساعات الوضع وآلامه وتنسى وتحمل من جديد (الحبل غوى والطلق طاير بالهوى).. فقد تكون هذه نعمة مضاعفة حبانا بها الله كي يستمر العيش بأفراحه وأتراحه، ونقمة وعذاب عظيم إذا دام النسيان على كل ضيق حال وسوء مآل للبلاد والعباد.

أحد الحكماء من قريتنا يعرف تفاصيلها وطباع أهلها، خاطب جار له ظل وجهه الكظيم مسودا من فضيحة في بيته قائلا: “يا عم زوج ولدك للبنت والفضيحة ثلاثة أيام”.. الحكيم كان يعلم بحدود ذاكرة الناس زمنيا، طالما أنه هناك ما يبلسمها ويشغلها عن الفضيحة حتى وإن كانت أشد الجرائم وأقوى المحرمات.. ولهذا كانت أيام العزاء مساوية لهذا العدد.

فهنيئاً للمسؤولين الذين يعتمدون على ذاكرتنا الجمعية البالية المتهالكة؛ هذا التكتيك حيث يتمسكون بمرور الوقت ومراهم نسيانه التي تتكلف بجعلنا ننسى أقرب وأكبر أوجاعنا، وأقدم آلامنا.

“وكان نسيا منسيا”

1xbet casino siteleri bahis siteleri