في بعض الغياب حضور أكبر!

من أصعب اللحظات التي قد تفجع الإنسان، هي تلك التي تتخللها موجة من الحزن والمشاعر المختلطة والمتناقضة، ألم وغضب وحسرة واشتياق لعزيز استقبله التراب بحفاوة مودعا الدنيا، تاركا مالها وزينتها.

إنه الموت ذاك الكابوس الذي يراود كل شخص كل يوم، مخافة فقدان أقرب الناس إليه، خبر يفجع كل قريب أو بعيد، خبر ما إن تسمعه حتى تخر راكعا لأن قدماك لم تعد تقو على حملك، وعقل هو الآخر لم يستوعب للحظة ذاك النبأ، صدمة تعيشها وكأن الدنيا قد توقفت عن الحركة، لا طير يطير ولا ماشية تسير، فقط أنت تعيش في قوقعة محاولا أن تستوعب ما تسلل إلى رأسك وما لم تستطع تصديقه، لكن، سرعان ما تستسلم لإرادة الله الأولى والأحق، راضيا بقدره سبحانه مرددا: “إنا لله وإنا إليه راجعون!”

هذه المشاعر التي تجتاحك دون سابق إنذار، لا مهرب منها ولا مناص سوى سيل من الدموع يفيض من عينيك حسرة على أيام مضت واشتياقا للحظات كنت لترجو لو تعود، ذكريات مصيرها أن ترسو في جانب من جوانب ذاكرتك، تتراءى أمام عينيك في كل مرة تشتاق لمفقودك الذي قد يكون أما أو أبا أو أختا أو حتى صديقا كنت تكن له جل أنواع مشاعر الحب والتعلق. لكن، ما بالك لو كان هذا الشخص بعيدا كل البعد عنك، لم تلتق به يوما ولم تحادثه ألبتة، إلا أن يوم استقبله التراب وجدت سائر أعضاء جسمك تعلن حدادا عليه مصحوبة بانكسار وغضب كبركان قد ينفجر في أي لحظة ليس رفضا لما أراده رب الأنام بل غير راض بظلم خلفه البشر في هذه الأرض.

ذاك الشخص كنت تراه أياما معدودة خلال نشرة الأخبار، يروي تقريرا مفصلا عما يعانيه الشعب الفلسطيني من نهب لأراضيه وقتل لأهاليه وتعد على أطفاله وذويه. دخل بيت كل عربي جعل من النشرة جزءا من دوامه اليومي واتخذ من القضية الفلسطينية مبدأ الدفاع عنها حتى آخر رمق مؤكدا في كل مرة أن القدس عاصمة فلسطين رغم شماتة وجبن المحتل الغاصب، تقارير ولحظات وثقت بالصوت والصورة، معربة عن أمهات يبكين حزنا وفخرا لاستشهاد أبنائهن، وأطفال كان اليتم نصيبا من قدرهم، مرسخة في أذهاننا كيف أن المحتل يهاب حجارة تلقى على رأسه ويقاوم بسلاح ما خشي منه الرجال والنساء، ذاك الصوت جعلنا نشعر بمعاناة الشيوخ والشباب وهم يظلمون ويقتلون دون سبب يذكر، صوت أزال الغطاء عن قذارة المحتل.

مقالات مرتبطة

الدهشة الزائلة

حكايا الطريق

إنها شيرين أبو عاقلة صوت الشعب المنكوب شاهد على حقائق، لطالما كان إخفاؤها محل اهتمام العدو، لكنها سرعان ما كانت تظهرها للعيان، شيرين التي شاب عمرها في انتظار جنازة تكتب في التاريخ ويتابعها العالم أجمع عله يلقي بالا لما يحدث من ظلم داخل فلسطين، شيرين صاحبة ذاك الصوت الذي ما إن تلبث تسمعه في كل مرة حتى تجد نفسك في خضم الأحداث بفلسطين، معربا عن بسالة المقاوم الفلسطيني، قدوة الصغير والكبير، تتقفى الحقائق وإن كانت مخفية في جحر الأفاعي، رمز للمقاومة والكفاح، وها هي الآن ما ودعت الدنيا حتى تركت أثرا في قلب كل فلسطيني جعل جنازتها حديث العالم أجمع، وحضرها من استطاع من كل حدب وصوب بفلسطين وشاهدها العرب أجمع على مدى ثلاثة أيام متتالية من ساعة مقتلها حتى وارى جسدها الثرى بين أحضان والديها، كيف لا وقد كانت للخير سباقة كما يشهد مقربوها، وقد كانت للحقيقة المستترة دائما جالبة.

ثلاثة أيام كانت كافية، ليتوحد الناس بجميع طوائفهم وأديانهم في العالم أجمع، ثلاثة أيام كانت كافية لترى كيف أن الشهيد لا يودع الدنيا إلا وهو محمول فوق أكتاف الشجعان رغم سوط المحتل، هذا الأخير الذي أخافه نعش جامد وشعب لا سلاح بين يديه سوى أعلام وورود ينعي بها رفيقة الدرب والمقاومة، منهم من يبكي بحرقة ومنهم من يفخر بشهيد آخر ومنهم من حرص على رفع النعش أعلى كي يراه المحتل موحيا أن لا شيء يهزمهم ولا يدفعهم للاستسلام حتى موتهم يبقي صوتهم مسموعا وأثرهم عميقا، هي ثلاثة أيام عاش فيها العرب نكبة من نوع آخر، كيف لا وبعد شهداء عدة، حان دور من دخلت بيت كل عربي، صاحبة الصوت المكلوم، أمل كل فرد في الحرية، سلاحها كان كاميرا تصور الحقائق وكلام ينقل الخبر، حتى صارت خبر رصاصة استقرت في رأسها فاستقبلتها الأرض برحمة وحضنتها بحنان وكأنها أم اشتاقت لابنها بعد غياب طويل.

الكلمات تختنق ببعضها البعض، وكأنها هي الأخرى قد أعلنت حدادها عن هذا الظلم الذي هو على مرأى من الجميع، فلا أحد يحرك ساكنا ولا أحد يترنح، كلام يتكرر في كل مؤتمر ولقاء، في كل قمة وندوة، فهل من تغيير؟ بالطبع لا، ما رأينا من تغيير حتى الآن، سوى شعب لا زال يلقى حتفه، ولنرسخ فكرة أن الله قد حرم الظلم على نفسه وجعله بيننا محرما، فمن نحن لنجعله حلالا.

وليرى الأحرار في العالم أجمع، كيف يدافع الرجال عن أراضيهم ولا يخشون رصاصة أو قنبلة تحط على رؤوسهم، وأجمل ما نختتم به القول ما جاء على لسان شهيدة الحقيقة ما مفاده: “اخترت الصحافة كي أكون قريبة من الإنسان، ليس سهلا أن أغير الواقع لكنني على الأقل، كنت قادرة على إيصال ذاك الصوت للعالم.”

صوتك وصل يا شيرين، ولا زال يتردد في الآذان، والتغطية لم ولن تتوقف بل هي مستمرة حتى يلقى المحتل نهايته المذلة.

1xbet casino siteleri bahis siteleri