تنفس!

179

غريب فعلا كيف يمكن للماضي أن يعرقل مضيك قدما، كيف أن التمسك بالأشياء التي كنت تعتبرها ثمينة تنهك تفكيرك، والأشخاص الذين ظننت أنك لم تكن لتعيش لولاهم يوما، يصبحون مجرد محطة تنتظر فيها القطار فإن فاتك فلا مشفق ولا حنين، وإن استقليته فخطوة للأمام قد اتخذتها منذ قليل معلنا أن فرصة جديدة قد قدمتها لك الحياة في طبق من ذهب وقد اقتنصتها خوفا من الندم على ضياعها، ونادرا ما تجد بعضهم في محطة الوصول، مستعدين ليربتوا على أكتافك في اللحظات الأشد قتامة، فحنوهم والتقاط عبراتنا بأطراف أكمامهم كفيل جدا بأن يجبر شيئا انكسر بداخلنا فيدفعنا للوقوف مرة أخرى، فقد علموا أننا نحتاج لمن نستند عليه فيثبتنا.

لكن التعلق الشديد في أشخاص تلفظتهم صفحات التاريخ، ولم يكلفوا أنفسهم عناء الانتظار والصبر، ما تلبث حتى تراها قد أنهكت صاحبها وأضعفته، فلم يعد يقو على قلب الصفحة والمضي قدما من أجل كتابة قصة تستحق أن تروى، قصة أنتجت دروسا وعبر أحلاها ومرها أن الحياة تعاش مرة واحدة فلا وقت للوقوف عند كل معيق يعيدك خطوات للوراء.

أكثر ما يضني الإنسان هو التمسك بأشخاص لم يكونوا سوى ليلقوا بسمهم وأنت تتذوق طعم العيش بين ينابيع الحياة المباركة، ظنا منك أنهم الركن الأساسي للسعادة، فمن دونهم لم تكن لتتذوقها، وفقدانهم ينخر داخلك دون رحمة، فتبدأ حينها مرحلة تلوم فيها نفسك مستذكرا الأسباب التي جعلت علاقاتك تبوء بالفشل، ومساءلتها دونما أن تشفق عليها، واثقا أن المفقود أو بالأحرى التارك بريء لا تشوبه شائبة، كامل لا نقص فيه، ومن هنا يبدأ جحيم من التفكير المفرط وبالتالي الضياع في دوامة الصراع الداخلي وتأنيب الضمير المزمن، فتشعر بحالة من الدنيوية والعجز عن القيام بما يسعد روحك ويبهجها، ومن ثم حالة من فقدان الثقة.

صحيح، ومما لا مفر منه، أن تطرح أحداثا مضت قيد المساءلة والتفكير من أجل طرحها وتصحيحها مع الوقوف على الأمور السلبية بسرعة وفعالية، علك تتجاوز تلك الحرب النفسية التي لا حصر لها إن تجاوزت حدها.
وإن تظاهرت بالنسيان وأنك خرجت من تلك الدوامة التي جعلتك تدور في حلقة مفرغة لا خطوة نحو الأمام تتخذها ولا مواقف أو دروس يحتذى بها، مجرد ماض لازمته طوال حياتك ومواقف وأحداث أوهمت بها مخيلتك فصدقتها، وأصبحت تعيش بداخلها منفصلا عن واقع لو تركت العنان لنفسك فيه لتحررت من تلك القيود التي أوجعت كوعيك وأصبحت كقمر وضاء ينحدر على صفحة الأفق، غير أن تلك الآلام النفسية كانت دون جدوى سوى أنك قد ظلمت نفسك التي لا بد لها أن تستريح، والموت أرحم لها منك، أو بالأحرى هذا ما تحاول إثباته لنفسك، لكنك على خطأ، فحياتك قراراتك، فلو أردت الخروج من هذه الأحداث التي تعصف كيانك لاتخذت الخطوة الأولى دونما الرجوع لحظة واحدة إلى الوراء، بيدك القرار، أن تشفق على نفسك وتركها تعيش بسلام أو جعلها تعيش في مخيلة من الآلام.

إنه لمن الصعب كفاية فتح صفحة جديدة، وترك مخلفات الحياة وراءنا التي ما لبثت تجرنا للوراء، إنه لمن المضني أن تشعر بالوحدة في حين أن الجميع يحومون حولك ويهتمون لأمرك، هذا لأن أحدهم بالذات كنت تنتظره ليربت على كتفيك، ويسأل عن حالك، لكن هذا الأخير كان أنانيا كفاية ليترك الذكريات ويمضي قدما نحو أهدافه ويخلف بوعوده، أما الأشياء التي ظلت ثمينة بنظرك ما هي إلا جمادات أصبح من الصعب حملها فوق ظهرك وبالتالي تركها أفضل من العيش وهي معرقلة إياك طول الطريق.

علاقات سامة هي الأخرى أنهكتك وأرهقت تفكيرك، ترى نفسك أن جل طاقاتك قد استنزفتها وأنت تحاول جاهدا إرضاء من هم حواليك، مجهودات أصبحت في غالب الأحيان هباء، وكأنك تسقي وردا صناعيا بنية أن يكبر فلا تكتشف أنك على خطأ حتى تجد نفسك قد تعبت من أجل نتيجة لم تكن لتتحقق منذ البداية. تلك العلاقات التي تكون بداياتها حالة من الحياة الوردية التي تفرش الأرض وردا وتغطي السماء ماء، لكنها ما تلبث حتى تصير حالة من مشاعر الغضب والقهر وانعدام الثقة، فتدخل في حالة من الأمراض النفسية التي تقتات على صحتك الجسدية شيئا فشيئا حتى تجدها قد أنهكت، في تلك اللحظة من ذا الذي يربت على كتفيك ومن ذا الذي يؤنس وحدتك سواك، بالتالي من الواجب إيقافها قبل فوات الأوان، فالحياة تفرض علينا التحطيم أحيانا علنا ننقذ ما يمكن إنقاذه.

تنفس وبعثر القلق الذي تحبسه في صدرك الضعيف ذاك وحرره مع ذرات الهواء، فإنه قد تألم بما فيه الكفاية. فلنتحرر؛ فالحفرة التي ألقينا بها أنفسنا وبمحض إرادتنا، ما هي إلا ظلام حالك اسود بأعيننا فلنترك من تركونا ولنمضي قدما، ولنتخلص من الجمادات التي أثقلت كاهلنا أو حتى الأشخاص الذين ظلوا يبطئوا سيرنا، علنا نسرع من أجل اغتنام الفرص المتاحة.

1xbet casino siteleri bahis siteleri