كتب التنمية الذاتية عملة ذات وجهين

“كن إيجابيا دوما”، “اجعل التفاؤل عنوان حياتك”، “لا مكان لليأس والفشل”، “رغم الصعاب لا تدع الابتسامة تفارق محياك”…كلها عبارات ألفناها على صفحات كتب التنمية الذاتية، جمل جعلتنا في حيرة من أمرنا، شتتت عقولنا، شغلت تفكيرنا وأنشأت في دواخلنا صراعات لا منتهية حتى أصبحنا نتساءل عن مدى مثالية سلوكاتنا، عن مدى صحة مشاعرنا، هل ما نسشعره أحاسيسٌ طبيعية؟ أمن البديهي أن نشعر باليأس والإحباط؟ وهل يمكن تجنب هاته المشاعر التي أضحت تنعت سلبية؟

في زمن السرعة، أصبح الجميع مقبلا على التغيير، باحثاً عن التطور، متسارعا للنمو، ومتصنعا للمثالية. تختلف السبل والطرق من محاضرات، وأفلام وثائقية، وبرامج ثقافية وغيرها، لكن تظل أبرزها كتب التنمية الذاتية، نظرا لتوفرها، وكثرتها، وسهولة الوصول إليها وحتى سعرها المناسب لكل الفئات، فغوصا داخل عوالم هاته الكتب، كثيرا ما نجد أغلب -إن لم نعمم بالقول إن كل العبارات- تتكرر كتابا تلو الآخر، حتى لبثنا نحفظها عن ظهر قلب، فإما أن تحثنا عن إيجابية زائفة، وتفاؤل مؤقت، وإرادة لحظية أو عن تحفيز عابر.

مقالات مرتبطة

قد أفلح من زكاها

من كل زاوية!

كن أنت كما أنت!

واستمرارا في تصفح طيات هاته النوعية من الكتب والتمعن في أفكارها ومبادئها، أصبحنا نشكك في مشاعرنا وأحاسيسنا، لا سيما عند المرض، والحوادث، والموت أو غيرها من مآسي وفواجع الحياة، فالحزن في وضعيات كتلك أمر بديهي، مهما حاولت أفكار التنمية الذاتية دحض ذلك وتزييف الحقائق، فإنما خُلق الحزن لنعرف معنى السعادة، ووجد التعب لندرك الراحة، أُحدِث الفشل للوصول للنجاح، وظهر اليأس لنبحث عن الأمل، وما دمنا نستنشق هواء الحياة ونعيش على سطح الكرة الأرضية إلا لنختبر مختلف المشاعر ونعيش أنواع وأصناف الأحاسيس حلوها ومرها، ويبقى عيش وهم السعادة والإيجابية الدائمين مرض في حد ذاته، ذلك أن الكمال لله وحده عز وجل، ولا مكان للمثالية في حياة البشرية.

وأما بحثا في سبب ظهور التنمية الذاتية، نستكشف أن الفكرة في حد ذاتها وجدت منذ قرون قد خلت، فقد حثث كل الأديان السماوية عن التفكر والعلم والتطور، كما أن جملة من الفلاسفة نذكر منهم أرسطو قد تطرقوا لها، ولكن ما لبثث أن انتشرت مع بداية القرن العشرين وظهور العَالِمين ألفريد وكارل اللذين أسسا مبدأ نمط الحياة بدمج سيكولوجية الإنسان وفكرة التنمية الذاتية، ومع التسويق الكثيف لهاته الأفكار أصبحت حديث الساعة وموضة العصر، حتى أن الولايات المتحدة الأمريكية أضحت تستثمر ما قدره عشرة بلايين في تصنيع هاته الكتب وتتطلع إلى الوصول إلى ثلاثة عشر بليون ونستشفي من ذلك ما قد تدره من مداخيل ضخمة من تسويقها وتصديرها لمختلف بقاع العالم.

كوننا مخلوقات أنعم علينا جل جلاله بنعمة العقل والفكر، فنحن قادرون على التفرقة بين الصالح والطالح والتميز بين الخبيث من الطيب، وكون كتب التنمية الذاتية سلاح ذو حدين، يجب أن نحسن اختيار ما ينفعنا لا يضرنا، وما يرشدنا لا يضيعنا، فالهدف أن نمضي قدما نحو الأمام، لا أن نكدس أموال صانعي الوهم وننصاع لهم في مؤامراتهم.

1xbet casino siteleri bahis siteleri