ظلت تعاند حتى تأقلمت!

181

طرقت الباب والناس نيام فاختلست الصمت وأنا أنظر إلى ذاك الكرسي البني وقطرات المطر ترنم ألحانها راوية عطشه، لحظة تشتت غيرتني وأيقظتني. أهو الذي تغير أم أنا التي استيقظت من سباتي؟ لهيب حيرتي اخترق سدول بصيرتي حتى شرع في إضماري جوف ردوم من الالتباسات.

لا أدري إن كنت أنا من رمقت الدجى في جنح الليل أولا أم هو! لكن عموما مراسا كان كفيلا بإيقاظي من غفوتي، ولا زلت ممتنة لتلك الوهلة التي من خلالها انتابني حس المضي في السدف وأدركت أن كل التبريرات لم تغير شيئا، بل أطفأت نار شعلة الحياة بدل الاحتراق بها فلم أجد غير الافتراق عن مدينتي سبيلا.

أجل يا سادة، قرار كؤود لكنني مؤمنة بمبدأ التغيير إن كانت الحيرة على رأس الموضوع. غطست وسط الهاوية ناقبة عن جوهري فكلامي صار جله إشارات لا ولن يفهمها إلا من اكتوى وارتوى من بحر ابهام القتام، عانقني الوجوم وارتميت بين أحضانه خشية عدم تصفحي وإبصاري كضحية غموض.

اشتدت قسوة البرد واشتدت معه عتمة الليل، ساد الصمت وصرت أتأمل عجائبه. وأنا في عز ذهولي شتت تنبيهي عصفور خربت الشتاء مأواه، بيد أن مساحة سكوتي كانت أشسع من كلماتي وقنديله لم يكن كافيا كي ينير ويسمع تنهيداتي أو يهمس لي في أذني. لا أدري لم لم ينبعث شيء ما من باطن تلك السماء العاتمة، لكنني سامرت وحدتي واستهليت حديثا غزلت شبكه قطرات المطر ونسجت صفحة لأشجاني. غير أن طمعي كان أسمى فتساءلت عن سبب اقتصارها على صفحة واحدة فابتسمت وأبلمت. لم أفقه حينها المغزى وكنت سريعة الاهتياج والسخط فسكنت غضبي ببرودة وتفوهت بكلمتين “خام الكظم”.

طال سهري وصارت مقلتاي عصية النوم حتى سدل المطر ستائري ولم أعد أفرق بين قطراته ودموعي فجفوني بالسيلان سخية. اجترت الشتاء آلامي وأحلامي المنسية وحلمي الأعظم حينها كان أن أغفو تعبا ويزحف الهدوء فؤادي ولكن الغريب أن لساني لم يستطع التفوه وعيناي اكتفت بالنظر فقط. أكان فعلا كل شيء جديد؟ أم أنا الغريبة عن ذاتي؟ عموما شفاني الصمت وينعت بما حولي من عظمة الخالق، فلولا سكوتي حينها لم أبصر قط كيف تتساقط قطرات المطر ويسود الظلام.

خام الكظم فعلا وأنا بين ثلاث “تعجب، استفهام وسكون” لم أكن ميتة بل سعيت جاهدة لانتقاء كلماتي، بيد أن لغتي خانتني فتزينت بالصمت ولم أندم قط؛ ففيه تعلمت أنه لغة موسيقاه مسلوبة منه، يكفي أن تذوب بين أحضانه تاركا أوتاره تعزف وهي متلهفة للحديث.

هناك أيام تبدو فيها الأماكن المألوفة فجأة غريبة، هنا عليك أن تتعود على ألا تتعود كي لا يوجعك الزمان ولا تغفل عن كيانك وتعتزل به كرهينة لقساوة أحزان الليالي المسودة، لأنه كلما حدقت في الظلام أكثر ازداد توهج شمسك وعماك أكثر. وفي الضفة المقابلة هناك وجوه كثيرة يمكن أن تضيء في ظلام أيامنا شمعة، كذاك العصفور الذي زارني غير أنه لم ينتظر ويرمقني لأنني لم أكن وفية له منذ البداية، فتغريده كان يرافق ترانيم القطرات إلا أنني تعاميت عنه وسرت مع القطرات لذا، فابحث عن قلب يمنحك الضوء مهما كلفك الأمر فالأخيار أحياء إن أصبت الانتقاء.

أما عني، فرغبتي في تلك الليلة العاتمة كانت تعوزني للكتابة قبل أن يجف حبري لأن تلك الطفلة المخبولة داخلي اشتهت البوح في القتام، ففي سرير ظلامها يتعرش جزء منها لا تريد إخفاءه بل تذكرني به كل مرة ولكنها داهية تختار عز العاصفة والسواد كي تذهب الرياح قولها وتطير أوراقها. لم تكن واعية كفاية تلك الليلة لأنها تركت معي الصفحة المنسوجة بكل ما تحويه من بوح جوارح، أكانت مهرولة أم أن في ذلك حكمة لي وسر جديد من أسرار الحياة؟

أختم وأقول، إن الحكمة أحيانا معرفة الأسئلة عوض الأجوبة لأن أعسر فصل من فصول الحكمة هو أن تفكر بصدق وتتغلل في ذروة تجاربك كي تضع كل شيء في موضعه المناسب. وها أنا أعود وأطرق الباب مجددا وأنا منتظرة عدم الرد كخسارة لي، كي أستطيع اكتشاف الجديد فلا شيء دون مقابل وإدراكي للجوهر كفيل بجعلي ألذع من الحقيقة، وأتخذ المسلك الصريح لطوارئ الحياة أم أبني لنفسي قصورا من الأوهام تنهار كلما اتخذني الشك ضحية لحربه.

1xbet casino siteleri bahis siteleri